صورة لمبنى فندق تابع لمجموعة الحبتور في بيروت مع خلفية تعكس الوضع الاقتصادي اللبناني.
الاقتصاد

مجموعة الحبتور تنسحب من لبنان: نهاية حقبة واستشراف مستقبل الاستثمار الخليجي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

لقد بدا المشهد وكأن الأضواء قد خفتت فجأة في قاعة كانت تضج بالحياة، لا موسيقى ولا تصفيق، بل إغلاق هادئ لباب. هكذا يمكن وصف انسحاب مجموعة الحبتور الإماراتية من لبنان، والذي لم يكن مجرد خبر اقتصادي عابر يُطوى بين صفحات الخسائر، بل أشبه بإسدال الستار على فصل طويل من فصول الاستثمار الخليجي في بلد كان يُعد يوماً عاصمة للسياحة والأعمال في الشرق الأوسط. خمسة وعشرون عاماً من الفنادق الفاخرة، صالات المؤتمرات، والمجمعات التجارية، انتهت ببيان مقتضب يثير تساؤلات أعمق من الأرقام ذاتها: لماذا هذا التوقيت؟ وماذا يحمل هذا الانسحاب من دلالات حول الوضع اللبناني؟

خسائر فادحة وقرار حاسم

في السادس والعشرين من يناير الجاري، أعلنت مجموعة الحبتور في بيان رسمي أن استثماراتها في لبنان تكبدت خسائر تجاوزت 1.7 مليار دولار أمريكي. وعزت المجموعة هذه الخسائر إلى القيود المصرفية التي حالت دون الوصول إلى أموالها المودعة، بالإضافة إلى ما وصفته بفشل الدولة اللبنانية في توفير بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار. وبعد يومين فقط، جاء بيان ثانٍ أكثر حزماً، مؤكداً وقف العمليات في لبنان، وإيقاف نزيف الصرف المستمر، وتسريح جميع الموظفين، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وفقاً للاتفاقيات الدولية والأطر القانونية ذات الصلة.

مسيرة ربع قرن من الاستثمار

منذ مطلع الألفية، رسخت مجموعة الحبتور حضورها في قطاعات الضيافة، التجزئة، الترفيه، والعقارات في لبنان. فندقان واصلا العمل رغم الحروب، ومشاريع صمدت في وجه الأزمات السياسية والأمنية، وحضور لم ينقطع حتى في أحلك الظروف. لكن هذه الثقة تآكلت تدريجياً، لتصل إلى ذروتها في يناير الجاري بقرار الانسحاب الكامل. بدأت الحكاية عام 2001 بافتتاح فندق “متروبوليتان بالاس بيروت” في سن الفيل، وتلاه بعد أربع سنوات إطلاق “الحبتور غراند بيروت” كمجمع ضخم يضم مركز مؤتمرات ومرافق ترفيهية وتجارية. مشروعان تحولا إلى علامة فارقة في السياحة اللبنانية وواجهة للاستثمار الإماراتي طويل الأمد.

وبحسب الباحث في الشأن السياسي نضال السبع، فإن دخول مجموعة الحبتور إلى لبنان يعود إلى مرحلة أسبق بكثير، “إذ تزامن مع نهاية الحرب الأهلية وبداية ورشة إعادة الإعمار في عهد رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري”. ويشير السبع، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن استثمارات المجموعة آنذاك “بلغت مئات ملايين الدولارات، وجاءت بدافع شخصي لدى مؤسس ورئيس مجلس إدارة المجموعة خلف الحبتور، نابع من حبّ للبنان ورغبة في دعم شعبه”.

مفارقات زمنية: بين العودة والانسحاب

المفارقة اللافتة أن قرار الانسحاب الأخير الذي اتخذه الحبتور جاء بعد أشهر قليلة فقط على مشهد بدا نقيضاً تماماً. ففي سبتمبر الماضي، أعلن الحبتور عن خطة لإعادة افتتاح فندق “ميتروبوليتان بيروت”، على غرار ما فعله مع “الحبتور غراند”، وذلك عقب زيارة إلى بيروت هي الأولى له منذ 16 عاماً. وخلال تلك الزيارة، التقى رئيسي الجمهورية والحكومة، وتحدث يومها عن استعداد رجال الأعمال للعودة إلى الاستثمار في لبنان، بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة.

غير أن قرار الانسحاب الأخير ليس الأول من نوعه. ففي يناير 2025، أعلن الحبتور نيته بيع كامل ممتلكاته واستثماراته في لبنان، قبل أن يكشف لاحقاً، في أبريل من العام نفسه، عن خطة لتفكيك فندق “ميتروبوليتان بيروت” ونقله إلى خارج البلاد. ويشير السبع إلى أن الحبتور، ورغم الخسائر، “واصل الاستثمار ولم يغادر، مراعياً الظروف السياسية والأمنية، وحرصاً على مئات العائلات اللبنانية التي تعتاش من مؤسسات مجموعته. حتى إن زيارته الأخيرة إلى لبنان أعطت انطباعاً بإمكان عودة الاستثمارات الخليجية، قبل أن تصطدم بمماطلة الدولة اللبنانية، وعدم معالجة ملف الأموال المحتجزة، إضافة إلى حملات إعلامية وسياسية استهدفته ومجموعته من دون أيّ حماية رسمية أو قضائية”. ويرى السبع أن “تقاعس الدولة والقضاء عن حماية مستثمر بهذا الحجم شكّل رسالة سلبية بالغة الدلالة، خصوصاً مع تسريحه نحو 500 موظف كان يمكن حمايتهم بتدخل رسمي”.

أزمة الأموال المحتجزة وتآكل الثقة

ما بُني على الأمل، انهار تحت وطأة الانهيار المالي، غياب الإصلاحات، التوتر الأمني، وانعدام الضمانات. وقد شكلت أزمة عام 2019 واحتجاز أموال المستثمرين في المصارف، بحسب السبع، “صدمة كبيرة للحبتور ولشريحة واسعة من رجال الأعمال العرب”. ومنذ ذلك الحين، يعيش لبنان واحدة من أقسى أزماته المصرفية، مع ودائع محتجزة، سحوبات محدودة، وانعدام شبه كامل للثقة بالقطاع المالي، وهو واقع لم يوفر لا صغار المودعين ولا كبار المستثمرين.

وفي فبراير عام 2023، شنّ الحبتور هجوماً حاداً على المصارف اللبنانية، واصفاً استمرار احتجاز أموال المودعين بأنه “قرصنة مستباحة لأرزاق الناس”، ومعلناً بدء معركة قانونية لاسترداد الأموال. ورغم ذلك، أعلن بعد شهرين عن نيته إعادة افتتاح مساحة البيع بالتجزئة في مشروعه السياحي بمنطقة سن الفيل في بيروت الكبرى الذي يحتوي على الفندقين. وفي أبريل 2024، أعلن عن مشروع قناة تلفزيونية ومدينة استوديوهات في بيروت مع وعود بأكثر من 300 فرصة عمل، قبل أن يُسدل الستار على المشروع بعد شهرين فقط، وقبل أن يرى النور. وعلل ذلك بالحملات الممنهجة ضد المجموعة التي تلت إعلان المشروع، وشملت سلسلة من الاتهامات، والافتراءات، وحملات التخوين، والتهديدات. ونتيجة لذلك، تقدمت مجموعة الحبتور بشكاوى جزائية ومدنية في لبنان وخارجه ضد بعض المتورطين في هذه الحملات والتهديدات. ويشير السبع إلى عتبٍ على رئيس الحكومة نواف سلام، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة من خلفية قاضٍ في المحاكم الدولية، متسائلاً: “كيف يمكن لرئيس حكومة أن يقبل باستمرار سرقة أموال المودعين اللبنانيين والخليجيين”، ويطرح علامة استفهام حول كيفية القبول باستهداف الاستثمار الخليجي في لبنان، معتبراً أن ذلك “يمسّ مباشرةً بالأمن الاقتصادي للبلاد”.

تداعيات سياسية واقتصادية

لم يفصل الحبتور يوماً بين الاقتصاد والسياسة في قراءته للوضع اللبناني. إذ حمّل مراراً حزب الله مسؤولية ما آل إليه البلد، معتبراً أنه يعزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، وأن الحل الوحيد هو رحيله عنه. ويرى السبع أن الواقع الداخلي، بما فيه دور حزب الله، “يشكل عامل نفور أساسي للمستثمرين، سواء بفعل الحرب الأخيرة مع إسرائيل، والاستهدافات المتكررة للبنان نتيجة عدم تسليم الحزب لسلاحه، أو المناخ السياسي العام والخطاب العدائي تجاه المستثمر الخليجي، ما يدفع رأس المال إلى البحث عن بيئات أكثر أماناً واستقراراً”.

واندرج موقف الحبتور سابقاً ضمن مناخ إقليمي أوسع، لا سيما بعد قرار الإمارات عام 2021 سحب دبلوماسييها من لبنان ومنع مواطنيها من السفر إليه، عقب تصريحات وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي بشأن الحرب في اليمن. ورغم رفع الحظر في مايو 2025 وإعادة فتح السفارة الإماراتية في لبنان، بقيت الهواجس الأمنية حاضرة. حيث تساءل الحبتور حينها: “كيف يمكن أن يطمئن الزائر وتخطط العائلات لعطلاتها وسط مشاهد عدم الاستقرار المتكررة؟”.

“بارومتر الثقة” يغادر: مستقبل الاستثمار الخليجي

بين عامي 2003 و2016، تصدرت الإمارات الاستثمارات العربية المباشرة إلى لبنان بقيمة 7.8 مليارات دولار، أي ما يعادل 64.8% من إجمالي المشاريع. وقبيل الانهيار المالي عام 2019، كانت تستحوذ على نحو 11% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع تركز الاستثمارات في القطاعين العقاري والتجاري، والسعي إلى تعزيز استثماراتها لتشمل مجالات أخرى مثل الطاقة والمناطق الحرة. وفي هذا السياق، شكّل الحبتور، بحسب السبع “بارومتر الثقة للمستثمرين الخليجيين، بوصفه أبرز الأسماء الاقتصادية العربية والخليجية”، مشدداً على أن هذه الخطوة “من شأنها أن تُقفل الباب أمام أي استثمارات خليجية جديدة في المرحلة المقبلة”.

من جهته، يذهب الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، أبعد، معتبراً أن لبنان لا يزال حتى اليوم “وجهة طاردة للاستثمارات الأجنبية، بفعل تراكم الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، من استمرار النزاع مع إسرائيل إلى غياب معالجة ملف حزب الله، ما ينعكس سلباً على الاستقرار ويبعد المستثمرين”. ويضيف أبو شقرا، في حديث لموقع “الحرة”، أن “غياب قطاع مصرفي سليم، وتعقيد التحويلات الخارجية، وبقاء لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، تشكل عوائق أساسية أمام أيّ نمو اقتصادي. وبرأيه، تفسر هذه العوامل تراجع الاستثمارات الأجنبية إلى حدود مشروع واحد سنوياً في 2025، مقارنة بمئات المشاريع في دول الخليج، معتبراً أن استعادة الثقة لا تزال ممكنة لكنها مشروطة “بإصلاح مصرفي جدي، إقرار قانون الفجوة المالية، ومكافحة الاقتصاد غير الشرعي وفتح القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية أمام المنافسة والقطاع الخاص، باعتبارها المدخل الأساسي لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *