شهدت السواحل المغربية في الآونة الأخيرة حملة مكثفة وغير مسبوقة من قبل السلطات العمومية، تهدف إلى وضع حد لظاهرة البناء العشوائي الذي طال أجزاء واسعة من الملك العام البحري. هذه التدخلات، التي قادتها وزارة الداخلية بعمليات هدم واسعة النطاق للمباني غير المرخصة، تعكس إرادة سياسية راسخة لاستعادة هذه الفضاءات الحيوية وإعادة تنظيمها بما يخدم المصلحة العامة.
إن هذه الحملة لا تقتصر على الجانب التقني لإزالة المخالفات، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع لحماية الملك العمومي البحري ووقف استنزافه. فبعد سنوات من التغاضي الذي أدى إلى تحويل أجزاء من الساحل من فضاء مشترك للجميع إلى امتياز خاص لفئات محدودة، تسعى الدولة اليوم إلى تصحيح هذا الوضع.
تطرح هذه الإجراءات تساؤلات جوهرية حول مستقبل السواحل بعد عمليات الهدم: هل الهدف يقتصر على إزالة البناء العشوائي، أم يتعداه إلى إعادة تهيئة شاملة لهذه المناطق وفق تصور حديث ومستدام؟ وهل تسعى الدولة إلى فتح آفاق جديدة للاستثمار، لا سيما في القطاع السياحي، أم إلى ضمان حق جميع المواطنين في الاستفادة من الساحل؟
تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المقاربة المعتمدة من قبل الدولة تقوم على مرحلتين متكاملتين: الأولى تتمثل في تحرير الساحل من أي احتلال غير قانوني، والثانية تركز على إعادة تأهيله ضمن مخططات عمرانية تراعي المعايير البيئية وتدعم التنمية المحلية. فالساحل يُنظر إليه حالياً كرافعة اقتصادية وسياحية محورية، وليس مجرد مجال للبناء غير المنظم.
الفوضى كغطاء للريع: من المستفيد الحقيقي؟
على الرغم من ترويج بعض الخطابات لمفهوم “الحقوق المكتسبة”، يظل السؤال الأهم: من هم المستفيدون الحقيقيون من استمرار هذه الوضعيات غير القانونية؟ الواقع أن الفوضى لم تكن دائماً وليدة الحاجة الاجتماعية، بل شكلت في العديد من الحالات غطاءً لنظام ريعي استفادت منه قلة قليلة على حساب الصالح العام.
في ظل غياب الرقابة الفعالة، تم استغلال الملك العام الساحلي لأغراض الكراء أو المضاربة العقارية دون أي سند قانوني، مما أفرز أرباحاً طائلة غير خاضعة للضريبة أو المراقبة، وساهم في تغذية اقتصاد غير مهيكل. كما برزت شبكات من الوسطاء والمضاربين، الذين لا ينتمون في الغالب إلى الساكنة المحلية، وراكموا ثروات كبيرة من استمرار هذه الفوضى، مترقبين تسويات أو تعويضات محتملة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الوضع خلق مصالح خاصة لبعض الأطراف في عرقلة أي تدخل للدولة، من خلال توظيف شعارات اجتماعية بهدف خلط الأوراق، في حين كانت الخسارة في نهاية المطاف جماعية، طالت الساكنة المحلية، وعرقلت الاستثمار المشروع، وشوهت الصورة الجمالية للمدن الساحلية.
إعادة تأهيل الساحل: فرصة للتنمية المستدامة
من هذا المنطلق، تُعد عمليات الهدم خطوة حتمية لإعادة تنظيم الساحل وتهيئته لاستقبال مشاريع تنموية طموحة. وتشمل هذه المشاريع إنجاز كورنيشات عصرية بمواصفات حديثة، لا تشكل متنفساً حيوياً للساكنة فحسب، بل تعزز أيضاً الجاذبية السياحية للمدن الساحلية.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المطالبات بالتعويض عن هذه البنايات تفتقر في معظمها إلى أي أساس قانوني، خاصة وأن الاستغلال تم لسنوات طويلة دون أداء واجبات الاحتلال أو الالتزام بالقوانين والضوابط المعمول بها.
ويرى متابعون أن التحولات التي تشهدها اليوم مناطق ساحلية عديدة، مثل سواحل أكادير الشمالية ودار بوعزة وغيرها، تمثل نقطة تحول حقيقية في تدبير الشريط الساحلي. وتفتح هذه التحولات الباب أمام نموذج تنموي جديد، يوازن بعناية بين حماية الملك العام، وتشجيع الاستثمار المسؤول، وضمان استفادة جميع أفراد المجتمع من ساحل منظم ومتاح للجميع.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق