خريطة منطقة الخليج العربي تظهر مضيق هرمز ورموز للدبلوماسية والتوترات العسكرية.
السياسة

دول الخليج تسعى لدرء شبح المواجهة: مخاوف أمنية واقتصادية من ضربة أميركية لإيران

حصة
حصة
Pinterest Hidden

دول الخليج تسعى لدرء شبح المواجهة: مخاوف أمنية واقتصادية من ضربة أميركية لإيران

تتزايد المؤشرات على اقتراب الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، من خيار توجيه ضربة عسكرية لإيران. في المقابل، تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده دول الخليج، بهدف النأي بنفسها عن دائرة المواجهة المباشرة وتخفيف حدة التوتر المتصاعد. وقد ارتفع منسوب القلق في العديد من العواصم الإقليمية، خاصة مع تصريحات ترامب الأخيرة حول تحرك “أسطول” أميركي نحو الشرق الأوسط.

موقف خليجي موحد: رفض استخدام الأراضي والأجواء

أعربت دول خليجية، بشكل قاطع، عن رفضها السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي عملية عسكرية محتملة ضد طهران. وتأتي هذه المواقف في سياق جهود دبلوماسية مكثفة، حيث أفاد موقع “أكسيوس” الأميركي باستضافة البيت الأبيض لمسؤولين سعوديين وإسرائيليين رفيعي المستوى في مجالي الدفاع والاستخبارات لمناقشة الوضع مع إيران. كما يزور وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، واشنطن حالياً لإجراء اجتماعات تركز على الملف الإيراني.

وفي خطوة لافتة، أفادت وكالة الأنباء السعودية (واس) أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أبلغ الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، في اتصال مباشر، أن الرياض لن تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أراضيها في عمليات عسكرية ضد طهران. من جانبها، ذكرت وكالة “مهر” الإيرانية أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بحث “آخر التطورات الإقليمية والدولية خلال اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه في قطر ومصر والإمارات العربية المتحدة وباكستان وعُمان وتركيا”، مما يؤكد حجم التنسيق الدبلوماسي الجاري.

مخاوف أمنية واقتصادية عميقة

تضغط دول خليجية رئيسية، مثل السعودية وقطر وسلطنة عمان، بالإضافة إلى مصر، على واشنطن منذ أسابيع للدفع نحو احتواء التصعيد. ويتركز القلق الخليجي، وفقاً لخبراء تحدثوا لـ”الحرة”، في التداعيات الأمنية والاقتصادية الكارثية التي قد تنجم عن رد إيراني محتمل على أي ضربة عسكرية.

الهاجس الأمني المباشر

تخشى دول الخليج أن تكون أول من يدفع ثمن أي مواجهة، سواء عبر صواريخ مباشرة، أو هجمات بطائرات مسيرة، أو من خلال وكلاء إقليميين، وفي مقدمتهم الحوثيون في اليمن. وفي هذا الصدد، يوضح الكاتب والباحث المختص بالشأن الإيراني، عارف ناصر، لـ”الحرة” أن “الهاجس الأمني المباشر يتمثل في احتمال لجوء إيران، في حال تعرضها لهجوم، إلى رد غير منضبط، أو ما يمكن وصفه بالرمي الأعمى”. ويضيف ناصر أن هذا السيناريو قد يجعل منشآت الطاقة والبنى التحتية الخليجية أهدافاً محتملة، “سواء عبر أدوات إيرانية مباشرة أو عبر وكلاء، وهو ما يرفع كلفة أي انخراط خليجي، حتى غير المباشر، في مواجهة عسكرية واسعة”.

وتجدر الإشارة إلى الهجوم الذي تعرضت له منشأتا بقيق وخريص التابعتان لشركة أرامكو السعودية في سبتمبر 2019، والذي أدى إلى شل نصف إنتاج المملكة النفطي مؤقتاً، وكشف عن هشاشة قطاع الطاقة أمام الضربات الدقيقة.

الأبعاد الاستراتيجية للموقف السعودي

لا تقتصر الحسابات الخليجية على الجانب الأمني فحسب. يرى عارف ناصر أن الموقف السعودي يرتبط أيضاً باعتبارات استراتيجية أعمق. فالمقاربة الأميركية التقليدية للمنطقة، من وجهة نظره، قامت على معادلة تجمع بين احتواء إيران والحفاظ على توازن إقليمي يمنع هيمنة طرف واحد. وأي تغيير جذري في هذه المعادلة، خاصة إذا أدى إلى انهيار النظام الإيراني، قد يفضي إلى تفوق إسرائيلي مطلق، وهو ما تعتبره دول الخليج “اختلالاً استراتيجياً خطيراً لا عامل استقرار”.

ويضيف ناصر أن الرياض لا ترى بالضرورة أن سقوط النظام الإيراني يخدم مصالحها، بل تخشى فراغاً سياسياً وأمنياً لا تملك أدوات جاهزة لإدارته. ومن هنا، يربط بين هذا القلق وبين سعي السعودية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية النوعية، بما في ذلك محاولة الحصول على منظومات متقدمة، “في إطار البحث عن توازن ردع جديد، لا عن لحظة كسر قد تفلت من السيطرة”.

الموقف الإماراتي: سيادة وإدارة مخاطر

كما عبرت الإمارات العربية المتحدة عن رفضها استخدام أراضيها أو مجالها الجوي في أي ضربة لإيران. ويوضح الكاتب محمد فيصل الدوسري أن هذا الرفض يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى تتصل بالسيادة، وتأكيد أن القرار الأمني يُصاغ داخلياً ولا يخضع لظروف الضغط الخارجي، أما الثانية فمرتبطة بإدارة المخاطر، إذ ترى أبوظبي أن خفض التوتر يبدأ “بضبط المسارات وإعادة الملف إلى أدوات الحوار والقانون الدولي، بوصفها مقاربة تحمي الاستقرار الذي تقوم عليه التنمية”.

ويرى الدوسري أن دول الخليج تسعى من خلال هذا الموقف إلى توجيه رسالتين متوازيتين: إلى واشنطن بأن أمن الخليج ليس ساحة اختبار وأن الشراكة لا تعني تفويضاً مفتوحاً، وإلى طهران بأن الخليج لا يبحث عن صِدام، لكنه لا يقبل أيضاً إدارة الإقليم بمنطق التصعيد أو عبر أدوار الفاعلين غير الرسميين.

مضيق هرمز: ورقة الضغط الاقتصادية

في خلفية هذه التطورات، يقف عامل الاقتصاد والطاقة بوصفه الأكثر حساسية. فإيران لم تخفِ يوماً أن أحد أوراقها الأساسية في أي مواجهة هو مضيق هرمز. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر المضيق، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، إضافة إلى نحو 35% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

وقد أعلن نائب قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، علي رضا تنغسيري، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام متعددة، أن إيران تملك “سيطرة كاملة” على سطح البحر وما تحته في المضيق، مؤكداً أن استخدام أراضي أو أجواء أو مياه الدول المجاورة ضد إيران سيجعلها تُعامل كدول معادية.

ويؤكد الدوسري أن الاقتصاد “جزء من المعادلة، لكنه ليس عنوانها الوحيد”، فصحيح أن أي تصعيد سيرفع كلفة الشحن والتأمين ويضغط على التجارة وسلاسل الإمداد، لكن الإمارات، بحسب تعبيره، “لا تبني قراراتها على حسابات قصيرة النفس، بل على قاعدة أن استقرار الإقليم جزء من أمنها الوطني، وأن الفوضى لا تنتج مصلحة مستدامة لأي طرف”.

تحذيرات من تداعيات كارثية

يذهب الكاتب السعودي، شاهر النهاري، أبعد من ذلك في توصيف تداعيات الضربة المحتملة، معتبراً أنها “لن تكون في مصلحة أحد”، وقد تجر المنطقة إلى خسائر فادحة. ويحذر من أن الحرب على إيران لن تعني فقط تدمير دولة يبلغ عدد سكانها عشرات الملايين، بل قد تفتح الباب أمام موجات نزوح واسعة، وظهور جماعات مسلحة، واضطرابات تمتد من جنوب آسيا إلى قلب الخليج.

ويختتم النهاري بالقول إن تدمير إيران لن يؤدي إلا إلى “دمار شامل في الشرق الأوسط”، محذراً من أن انهيار دولة مركزية بحجم إيران قد يحول المنطقة إلى فراغات متنازعة، ويعيد إنتاج سيناريوهات عدم الاستقرار على نطاق أوسع، مما يهدد الأمن والسلم الإقليميين والدوليين على حد سواء.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *