صورة توضيحية لرمز يمثل الصحافة أو الإعلام في المغرب، مع إشارة إلى التحديات القانونية والمهنية.
السياسة

المجلس الوطني للصحافة: بين جدل الاختصاص وعمق الأزمة الإعلامية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

المجلس الوطني للصحافة: بين جدل الاختصاص وعمق الأزمة الإعلامية

أثار قرار المحكمة الدستورية الأخير، المتعلق بالقانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، موجة من ردود الفعل المتباينة والنقاشات الحادة في الأوساط الإعلامية والسياسية المغربية. ورغم تباين وجهات النظر والخلفيات، يظل هذا الحوار حول قضايا الصحافة في المجتمع ظاهرة إيجابية تستدعي التمعن.

تضخيم الدور: قراءة خاطئة لوظيفة المجلس

لقد ربطت العديد من التعبيرات هذا القانون بقضايا جوهرية مثل حرية الصحافة، الحق في الخبر، التعددية السياسية والمهنية، وحقوق الإنسان. بل ذهب البعض إلى تسميته “قانون الصحافة” واعتبره مفصليًا لمستقبل المهنة وأوضاعها. غير أن هذه المبالغة في قراءة وظيفة المجلس الوطني للصحافة قد تخفي قضايا أكثر أهمية وتخلق وهمًا بأن إشكالات حرية الصحافة، ووضعية الصناعة الإعلامية، وأوضاع الصحافيين والعاملين في القطاع، يمكن معالجتها من خلال هذه الهيئة.

المهام الحقيقية للمجلس: حدود واضحة

تتركز وظائف المجلس الوطني للصحافة بشكل أساسي في محاور محددة:

  • معالجة ملف أخلاقيات المهنة.
  • منح بطاقة الصحافة المهنية.
  • البت في الشكايات المتعلقة بنزاعات الشغل بين العاملين والمقاولات الإعلامية.
  • تنظيم دورات تدريبية وإنجاز دراسات وتقارير حول إشكالات تأهيل المقاولة ومشاكل القطاع، بما فيها تلك المتعلقة بممارسة حرية الصحافة.
  • المساهمة بممثل واحد في اللجنة المكلفة بدراسة ملفات الدعم العمومي المقدم للمقاولات الصحافية.

على الرغم من أهمية هذه الأدوار، إلا أنها لا ترقى إلى التصور الذي تروجه بعض القراءات، والتي تُحمّل هذه الهيئة أكثر مما تحتمل. فحرية الصحافة، على سبيل المثال، ينظمها قانون الصحافة والنشر، بينما الولوج إلى المهنة يتم عبر القانون الأساسي للصحافيين المهنيين والمرسوم الحكومي لمنح بطاقة الصحافة. دور المجلس هنا إداري وتقني بحت، وقراراته قابلة للطعن أمام القضاء الإداري.

أين تكمن السياسة الحقيقية؟

من المستغرب أن يتحول ملف كان من الممكن معالجته بهدوء، خاصة من قبل المهنيين المعنيين بتنظيم مهنتهم، إلى قضية سياسية بامتياز. يتساءل الملاحظ المحايد: أين هي السياسة في قانون المجلس الوطني للصحافة؟

القوانين الأساسية وممارسة الحريات

إن السياسة الحقيقية تتجلى بوضوح في قانون الصحافة والنشر، الذي ينظم ممارسة حرية التعبير والصحافة للمواطنين والصحافيين على حد سواء، ويحدد شروط إنشاء المقاولات الصحافية. هذه قضايا تقع في صميم ممارسة الحريات العامة. وبدرجة أقل، نجد السياسة في القانون الأساسي للصحافيين المهنيين الذي ينظم الولوج إلى المهنة، وليس في قانون المجلس.

أما أخلاقيات الصحافة، فلا تترك مجالًا كبيرًا للسياسة، فالمجلس محكوم بميثاق أخلاقيات واضح، وجميع قراراته تخضع لرقابة القضاء. لذا، ينبغي البحث عن السياسة أبعد من قانون المجلس الوطني للصحافة.

الأزمة الهيكلية للإعلام المغربي: التحدي الأكبر

إن ترديد شعار التعددية في حقل الصحافيين والناشرين يظل فارغًا من المضمون دون تمثيلية حقيقية على أرض الواقع، ودون معالجة ظاهرة تضخم وتناسل الكيانات المصطنعة. في قطاع الناشرين، يجب التركيز على المعطيات الملموسة: ماهية المقاولة الصحافية، حاجتها لرأس المال، عدد الصحافيين والعاملين، أوضاعهم المادية والمهنية، وشروط توفير الجودة في المنتج الصحافي.

هنا تكمن السياسة: في الانكباب على معالجة المشاكل العميقة التي تعيشها الصناعة الصحافية والإعلامية في المغرب. هذه الصناعة تمر بأزمة حقيقية على كافة المستويات: في منتوجها، مضمونها، شكلها، جودتها، انتشارها، نموذجها الاقتصادي، خلفيات احتكاراتها، طريقة توزيع الإشهار، تنظيمها التحريري، وحقوق الصحافيين والعاملين بها. إنها مشاكل تعيق نهوض هذا القطاع، ولها تداعيات سياسية ودبلوماسية وثقافية ومهنية وحقوقية خطيرة.

خاتمة: دعوة لإعادة توجيه البوصلة

إن قانون المجلس الوطني للصحافة لا يملك القدرة على حل أزمة بنيوية ظهرت بوادرها منذ أكثر من عقدين. على السياسيين، قبل المهنيين، أن يسألوا أنفسهم بجدية عما قدموه لمعالجة هذه الأزمة المتجذرة، وأن يعيدوا توجيه بوصلة النقاش نحو التحديات الحقيقية التي تواجه مستقبل الإعلام في المغرب.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *