في ظل تصاعد التوترات السياسية الأخيرة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل العلاقات الثنائية: هل ستؤثر هذه الخلافات سلبًا على مسار التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين، أم أن الثقل الاقتصادي المشترك سيشكل عاملًا محوريًا لكبح أي تدهور سياسي محتمل؟
تحديات سياسية متصاعدة
شهدت العلاقات بين الرياض وأبوظبي مؤخرًا بعض التوترات، مدفوعة بخلافات حول ملفات إقليمية متعددة، أبرزها اليمن والسودان. ونظرًا للمكانة المحورية التي تحتلها الدولتان ضمن منظومة التعاون الاقتصادي الخليجي، حذر تقرير صادر عن وكالة “بلومبيرغ” بتاريخ 27 يناير الجاري، من أن “الاقتصاد الخليجي يمر بمرحلة اختبار حاسمة، مع احتمالات تأثير قد تطال أحد أهم مسارات التكامل الاقتصادي في المنطقة”.
ووفقًا للتقرير، بدأت شركات كبرى في كلا البلدين بمراجعة استراتيجياتها لإدارة المخاطر وخطط استمرارية الأعمال، تحسبًا لتطور الخلافات السياسية إلى إجراءات تنظيمية أو قيود تجارية قد تؤثر على عملياتها. وقد رصدت “بلومبيرغ” مؤشرات تشغيلية لافتة، منها صعوبات تواجه بعض الشركات الإماراتية في الحصول على تأشيرات عمل سعودية لموظفيها، إضافة إلى توجه شركات وصناديق استثمارية لدراسة خيارات بديلة، مثل تأسيس مكاتب داخل المملكة العربية السعودية.
ويستذكر التقرير تجربة مقاطعة قطر في عام 2017، وما نتج عنها من اضطرابات في سلاسل التوريد الإقليمية وتغيرات في نماذج إدارة المخاطر. ومع ذلك، يرى مراقبون أن السيناريو قد يسير في اتجاه معاكس، حيث يمكن للتداخل والتعاون الاقتصادي العميق بين البلدين أن يشكلا عاملًا “مكبحًا” للتوتر، نظرًا للتكلفة المالية الباهظة التي قد تترتب على أسواقهما.
عمق العلاقات الاقتصادية والاستثمارية
تُعد العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين الإمارات والسعودية من الأكثر تقدمًا وتكاملًا في المنطقة. وفي هذا السياق، أوضح الاقتصادي الإماراتي وعضو مجلس إدارة “سلطة مركز دبي المالي العالمي” السابق، حسين القمزي، لـ”الحرة” أن “الاستثمارات بين البلدين كبيرة وممتدة”.
وبلغة الأرقام، يشير القمزي إلى أن الإمارات تأتي في صدارة المستثمرين الأجانب في المملكة، حيث يتراوح حجم الاستثمارات الإماراتية في السعودية بين 30 و45 مليار دولار، وقد يتجاوز هذا الرقم عند احتساب استثمارات الصناديق السيادية والشركات شبه الحكومية. وفي المقابل، تتراوح الاستثمارات السعودية في الإمارات بين 6 و8 مليارات دولار، مما يجعل المملكة مستثمرًا رئيسيًا في السوق الإماراتية.
عام التحول: 2021
شكل عام 2021 نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقة الاقتصادية بين الرياض وأبوظبي. ففي فبراير 2021، أعلنت السعودية عن اشتراط نقل المقار الإقليمية للشركات الأجنبية إلى الرياض بحلول عام 2024، كشرط أساسي للاستمرار في التعاقد مع الجهات الحكومية السعودية. ورغم تأكيد الرياض آنذاك أن القرار يقتصر على المشتريات الحكومية، فإن شموله جميع الأجهزة والمؤسسات والصناديق الحكومية أضفى عليه ثقلًا تنفيذيًا واضحًا، خاصة مع انطباقه على كيانات عملاقة مثل أرامكو وصندوق الاستثمارات العامة. وقد فُسّر هذا الإجراء على نطاق واسع بأنه يهدف إلى إعادة توجيه جزء من النشاط الإقليمي للشركات متعددة الجنسيات من دبي إلى الداخل السعودي.
وفي يوليو 2021، تعزز هذا التوجه بإلغاء الامتيازات الجمركية التفضيلية للسلع القادمة من المناطق الحرة، وهو إجراء أثر بشكل مباشر في نموذج التجارة الإماراتي القائم على المناطق الحرة وإعادة التصدير. وتزامن هذا الإجراء السعودي مع خلاف نادر بين البلدين داخل منظمة “أوبك“، عندما طالبت أبوظبي برفع خط الأساس لإنتاجها النفطي.
مناعة الاقتصاد: حائط صد أم نقطة ضعف؟
على الرغم من التصعيد السياسي، يرى الخبير الاقتصادي جمال بنون أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين “وصلت إلى مستوى ترابط مرتفع يتجاوز فكرة التعاون التقليدي”. ويؤكد أن حجم التبادل التجاري غير النفطي بين السعودية والإمارات يتجاوز 48 مليار دولار سنويًا، مما يجعل الإمارات الشريك التجاري الأول للمملكة في هذا المجال. ويضيف بنون أن “هذا الحجم من التبادل يسهم في دعم سلاسل الإمداد وخلق فرص عمل في كلا الاقتصاديْن، كما يجعل أي حديث عن قطيعة تجارية خيارًا غير واقعي من الناحية الاقتصادية”.
وتتركز الاستثمارات السعودية المباشرة في الإمارات في قطاعات حيوية مثل العقار والطاقة والخدمات اللوجستية والتجزئة والخدمات المالية. ويؤكد بنون أن هذه الاستثمارات ذات طابع طويل الأجل، وتعكس شراكة اقتصادية مستمرة وليست تدفقات مؤقتة. ويرى بنون أن المنافسة الاقتصادية بين البلدين قائمة، لكنها تجري ضمن إطار صحي، مشيرًا إلى أن “العلاقات الاقتصادية بينهما قوية ومترابطة، لكنها تحتاج إلى إدارة متوازنة تضمن استمرار التعاون، مع تنظيم المنافسة بما يخدم مصالح البلدين”.
من جانبه، يعتبر القمزي أن هناك تكاملًا وظيفيًا بين اقتصادي البلدين، وأن “أهمية هذا التكامل تتضاعف في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد النزعات الحمائية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، مما يجعل إدارة التنافس الاقتصادي بينهما وتحويله إلى عنصر توازن ضرورة استراتيجية”.
بقلم: سكينة المشيخص – كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية، بالتعاون مع الحرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق