أمية النبي محمد: جدل تاريخي وديني وإلهية القرآن الخالدة
يطرح الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى تساؤلاً جوهرياً لطالما أثار جدلاً واسعاً وحساسية بالغة في الأوساط الدينية والفكرية: هل كانت أمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعني بالضرورة عدم معرفته للقراءة والكتابة؟ في هذا المقال، يستعرض عيسى هذا المفهوم من زوايا لغوية وتاريخية ودينية، مفصلاً بين قدسية القرآن وإلهيته، وبين النقاش الدائر حول أمية النبي.
يُعرب عيسى عن استغرابه من ردود الفعل الغاضبة التي تصاحب طرح رأي مفاده أن النبي الكريم لم يكن أمياً بالمعنى الشائع. ويشير إلى أن هذا الرأي ليس وليد العصر الحديث، بل هو قديم قدم التراث الإسلامي، وقد تبناه أئمة كبار ناقشوا المسألة ورجحوا معرفة النبي بالقراءة والكتابة. ورغم ذلك، فإن مجرد الإشارة إلى هذا الاحتمال يواجه باتهامات بالتلاعب بالدين أو التشكيك في تاريخ الإسلام أو الطعن في النبوة أو حتى التشويش على القرآن.
هناك إصرار ملحوظ لدى الكثيرين على تأكيد أمية النبي بمعنى عدم قدرته على القراءة والكتابة، وهو ما يراه الكاتب أمراً مستغرباً، خاصة وأن هذا الرأي، كما ذكر، له جذوره في كتب التراث نفسها.
ما معنى مصطلح “الأمي”؟
يتناول المقال المعاني المتعددة لكلمة “الأمي”، موضحاً أنها لا تقتصر على معنى واحد:
- المعنى الأول: عدم معرفة القراءة والكتابة، وهو المعنى الأكثر شيوعاً.
- المعنى الثاني: عدم تلقي تعليم نظامي أو دراسي.
- المعنى الثالث: النسبة إلى “أم القرى” (مكة المكرمة)، فيكون “أمياً” بمعنى أنه من أهل مكة، على غرار “دمشقي” أو “مصري”.
- المعنى الرابع: الذي ليس من أهل الكتاب، أي من الأمم التي لم تنزل عليها كتب سماوية، ليكون وصفاً جماعياً ثقافياً ودينياً لتلك الأمم، لا توصيفاً فردياً تعليمياً.
يؤكد عيسى أن هذه المعاني المتعددة تتيح الاختيار، إذ لا يوجد معنى واحد ملزم بالضرورة.
ويرد على من يحتج بالإجماع على أمية النبي التعليمية، مستدلاً بالآية الكريمة: “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ”. ويشير إلى أن تفسير هذه الآية ليس قطعياً في نفي معرفة النبي بالقراءة والكتابة، بل قد يعني أنه لم يكن مشتغلاً بالكتب أو معروفاً عنه التأليف والخط، لقطع الطريق على أي شبهة أو ريبة قد تثار حول مصدر القرآن.
لماذا هذا الخوف من معرفة النبي بالقراءة والكتابة؟
يتساءل الكاتب عن مصدر هذا الخوف من احتمال معرفة النبي بالقراءة والكتابة، وهل يشكك ذلك في صحة القرآن. ويستعرض بعض الحجج المتداولة:
- حجة التجارة: يُقال إن النبي كان تاجراً، والتجار غالباً ما يملكون دفاتر وحسابات، مما يرجح معرفته بالقراءة والكتابة. ويرد على ذلك بأن كثيراً من التجار عبر التاريخ كانوا أميين وناجحين، مما يجعل هذه الحجة غير حاسمة.
- حجة الأمانات: يُذكر أن قريش كانت تودع أماناتها عند النبي، ومن الطبيعي أن تُكتب هذه الودائع. ويُرد على ذلك بأن النبي كان يمكن أن يوكل من يكتب له، مما يبقي الأمر في دائرة الاحتمالات.
يخلص عيسى إلى أن كل هذه الاحتمالات لا تقدم دليلاً قاطعاً يؤكد أو ينفي أمية النبي التعليمية.
منطق الوحي والواقع التاريخي
يشير المقال إلى رواية السيرة النبوية التي تذكر أن النبي أجاب جبريل بـ “ما أنا بقارئ” عند نزول أول آيات الوحي “اقرأ”. ويوضح أن هذا الرد قد لا يعني عدم معرفته بالقراءة، بل قد يكون تعبيراً عن دهشة أو استفهام: “أقرأ ماذا؟ لا يوجد بين يدي شيء لأقرأه”. ويؤكد أننا أمام تأويلات واحتمالات، لا يقينيات تمنع النقاش.
ويذكر أن بعض المرويات، حتى في الفكر الشيعي، تشير إلى أن النبي كان يعرف القراءة والكتابة، بل ولغات متعددة. في المقابل، يرى الواقع التاريخي أن عدد من كانوا يعرفون القراءة والكتابة في مكة كان قليلاً جداً، حوالي 17 شخصاً، وأن عدد المؤمنين في مكة لم يتجاوز 150 شخصاً خلال 13 عاماً، مما يجعل احتمال أمية النبي التعليمية أمراً منطقياً في سياقه التاريخي.
إلهية القرآن ليست رهينة بأمية النبي
يصل الكاتب إلى النقطة المحورية: ماذا لو كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ هل يعني ذلك أن القرآن مؤلف بشرياً؟ هنا تكمن المشكلة الحقيقية، حيث يرى عيسى أن ربط الإيمان بإلهية القرآن بكون النبي أمياً هو بناء إيمان على أساس هش.
ويؤكد أن القرآن أعمق وأبعد من هذه المسألة، فلو كان النبي يقرأ ويكتب، بل حتى لو كان شاعراً عظيماً (وهو ليس كذلك)، لما استطاع أن يأتي بهذا القرآن. فالنبي لا يكذب ولا يزور ولا يدعي. والقرآن، لمن يمتلك قلباً واعياً، يدرك أنه كتاب إلهي منذ أول قراءة.
يصف عيسى القرآن بأنه كتاب شديد التركيب، بالغ التعقيد، متفرد في لغته وبنائه وروحه. والتحدي لا يكمن في آية أو سورة فحسب، بل في كتاب كامل نزل على مدى 23 عاماً، متماسكاً، حاضراً، مؤثراً، وحياً في وجدان الناس. ويستشهد بقول طه حسين: “اللغة العربية نثر وشعر وقرآن”، ليؤكد أن القرآن جنس مستقل، لا هو شعر ولا نثر، بل هو وحي إلهي.
ويختتم المقال بنصيحة بعدم خوض معركة إثبات أمية النبي فقط لإثبات إلهية القرآن. فإذا كان التاريخ يرجح أمية النبي، فمرحباً بذلك. أما إذا كان الدافع هو الخوف على قدسية القرآن، فيطمئن الكاتب القارئ بأن القرآن إلهي، سواء قرأ النبي أو كتب، أو لم يفعل ذلك.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق