يشهد الجيش الشعبي الصيني، الذي يُعد أحد أكبر القوى العسكرية في العالم، اضطرابات غير مسبوقة في صفوف قياداته العليا. فقد أثارت الإطاحة بجنرالين بارزين، هما تشانغ يوشيا وليو تشنلي، تساؤلات جدية حول طبيعة صراعات النفوذ داخل النخبة الحاكمة في بكين، وتداعيات ذلك على القدرات القتالية للبلاد، خاصة فيما يتعلق بطموحات الصين تجاه تايوان والنزاعات الإقليمية المحتملة.
إقالات مفاجئة وتكهنات متزايدة
خلال عطلة نهاية الأسبوع، شهدت الأوساط العسكرية الصينية عملية إطاحة بالجنرال تشانغ يوشيا، البالغ من العمر 75 عاماً ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، إلى جانب الجنرال ليو تشنلي. اللجنة العسكرية المركزية هي هيئة تابعة للحزب الشيوعي، يرأسها الرئيس شي جين بينغ، وتتولى الإشراف على القوات المسلحة. تقلصت هذه اللجنة، التي تضم عادة نحو سبعة أعضاء، لتصبح مكونة من عضوين فقط: الرئيس شي والجنرال تشانغ شينغ مين. وقد أُطيح ببقية الأعضاء في إطار ما وُصف بحملة “مكافحة الفساد” المستمرة.
يُعتبر هذا الوضع غير مسبوق، حيث لم يتبق سوى الرئيس شي وجنرال واحد في هذه اللجنة ذات النفوذ البالغ، والتي كان الزعيم الأعلى دينغ شياو بينغ يشغل منصب رئيسها في الثمانينيات. يرى لايل موريس، من معهد سياسات المجتمع الآسيوي، أن “الجيش الشعبي الصيني في حالة فوضى”، مشيراً إلى “فراغ قيادي كبير” يعانيه الجيش حالياً.
ما وراء حملة “مكافحة الفساد”؟
تتعدد التكهنات حول الأسباب الحقيقية وراء إقصاء هذا العدد الكبير من كبار الجنرالات. فبينما يشير الإعلان الرسمي إلى “انتهاكات خطيرة للانضباط والقانون” – وهو تعبير ملطف للفساد – تتراوح الشائعات المتداولة بين تسريب أسرار نووية للولايات المتحدة، والتخطيط لانقلاب، وصراعات داخلية، وحتى اشتباكات مسلحة في بكين، وفقاً للأستاذ المشارك تشونغ جا إيان من جامعة سنغافورة الوطنية.
تؤكد صحيفة جيش التحرير الشعبي، في افتتاحية لها، على نهج الحزب الشيوعي القائم على “عدم التسامح مطلقاً” مع الفساد، بغض النظر عن منصب الشخص. ورغم عدم نشر الاتهامات المحددة، فإن ذكر اسمي تشانغ وليو كخاضعين للتحقيق يعني، على الأرجح، صدور حكم بالسجن بحقهما. وقد وصفت الافتتاحية الجنرالين بأنهما “خانا بشكل خطير ثقة وتوقعات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي” و”داسا على اللجنة العسكرية المركزية وقوضاها”.
توطيد السلطة أم مكافحة الفساد الحقيقي؟
منذ وصوله إلى السلطة، استخدم الرئيس شي جين بينغ حملة مكافحة الفساد كأداة رئيسية. ورغم أن الصين كانت تعاني بالفعل من مشكلة فساد مستشرية، إلا أن شي اتُهم أيضاً باستغلال هذه الحملة لإقصاء منافسين سياسيين محتملين أو مسؤولين لا يُظهرون ولاءً كاملاً له. وقد منحه هذا مستوى من السيطرة لم تشهده الصين منذ عهد الزعيم ماو تسي تونغ.
اللافت في هذه الإقالات هو العلاقة الوثيقة التي كانت تربط تشانغ يوشيا بالرئيس شي، حيث كان والد تشانغ رفيقاً ثورياً لوالد شي. هذه العلاقة التاريخية كانت تجعلهما حليفين مقربين، مما يزيد من حدة التساؤلات حول أسباب الإطاحة به. كما أن تشانغ كان أحد القلة من كبار الضباط الذين يمتلكون خبرة قتالية، مما يجعل خسارته ضربة كبيرة للمؤسسة العسكرية.
تداعيات على الجيش الصيني وطموحات تايوان
يرى المحللون أن هذا الاضطراب سيخلق مناخاً من الشك داخل الجيش، مما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات حذرة، وربما ضعيفة. ويشير موريس إلى أن هذا الوضع “سيعطي صورة سيئة لشي، وأعتقد أنه سيكون هناك فوضى كبيرة في جيش التحرير الشعبي، مع شي وقادته – خصوصاً في الجيش – لسنوات مقبلة”.
كما أن تطهير هذه القيادات العليا يثير قلق الطبقة التالية من الضباط، الذين قد يترددون في قبول الترقيات إلى مناصب حساسة خوفاً من أن تطالهم حملة مكافحة الفساد في أي لحظة. تأتي هذه التطورات في وقت تزيد فيه بكين من ضغطها على تايوان، مهددة بالاستيلاء على الجزيرة ذات الحكم الذاتي. ورغم أن البعض يرى أن هذه الإقالات لن تؤثر كثيراً على طموحات بكين الأساسية تجاه تايوان، إلا أنها قد تؤثر على القرارات العملياتية.
يوضح تشونغ جا إيان أن “حملة التطهير لا تؤثر في طموحات جمهورية الصين الشعبية للسيطرة على تايوان. فهذا قرار يعود إلى الحزب الشيوعي الصيني ككل، وإلى شي على وجه الخصوص”. ويضيف: “قد يكون لعملية التطهير تأثيرٌ في القرارات العملياتية. فبدون كبار الضباط العسكريين، أو الضباط العسكريين الخاضعين للضغوط، ستتركز قرارات التصعيد والعدوان على تايوان بشكل أكبر على شي، وتفضيلاته، وميوله”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق