أعاد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إثارة النقاش حول مستقبل العلاقات بين الرياض وأبوظبي، وإمكانيات احتواء التوتر أو إدارته، بتأكيده على أن علاقات المملكة مع الإمارات “ذات أهمية بالغة للاستقرار الإقليمي”. هذا التصريح، الذي أدلى به بن فرحان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره البولندي رادوسلاف سيكورسكي، يأتي متوافقاً مع ما أعلنه وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، بشأن “ثقته” في إمكانية بلورة تفاهمات سياسية بين الجانبين. وتتمحور هذه التفاهمات حول ترسيم واضح لحدود الخلاف وحصره في الملفات المرتبطة بالأمن الوطني السعودي، باعتبارها شأناً سيادياً غير قابل للمساومة، مع انفتاح مشروط على إعادة التفاوض حول بقية المسارات الخلافية. وتبقى الساحة اليمنية المحدد الأبرز لاختلال التوافق السعودي الإماراتي، وسط تباين المقاربات الاستراتيجية وأولويات إدارة الصراع.
اليمن: بؤرة التباين الاستراتيجي
يعكس مسار العلاقات بين السعودية والإمارات خلال السنوات الماضية حالة من التباين المتراكم في عدد من الساحات الإقليمية، وكان الملف اليمني أكثرها وضوحاً ودلالة. فقد اتجهت الإمارات نحو بناء نفوذ ميداني مركّز في الجنوب اليمني وجزيرة سقطرى، بالتوازي مع توسيع حضورها في القرن الأفريقي لتعزيز سيطرتها على موانئ البحر الأحمر، الأمر الذي كشف عن اختلاف في أولويات إدارة النفوذ مقارنة بالنهج السعودي. منذ انطلاق العمليات العسكرية في اليمن في مارس 2015، لم يتبلور التحالف السعودي الإماراتي كإطار متجانس، إذ تولت السعودية قيادة المسار العسكري والسياسي، في حين ركزت الإمارات على ترسيخ حضورها في المناطق الساحلية والجزر ذات الأهمية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، دعمت الإمارات تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 بوصفه أداة نفوذ في المحافظات الجنوبية. وقد جاءت التطورات والمواجهات العسكرية بين الحكومة المدعومة من الرياض والمجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات في حضرموت والمهرة هذا الشهر لتؤكد اتساع هذا التباين وتحوله إلى عامل مؤثر، حُسم عسكرياً على الأرض.
يقلل الأكاديمي والكاتب الإماراتي، عبدالخالق عبدالله، من أهمية الخلاف بين السعودية والإمارات، ويصفه بأنه “شجار بين حلفاء”، مشيراً إلى أن “الإمارات ومنذ بداية هذا التشاجر التزمت بالتهدئة والابتعاد عن التصعيد”. في المقابل، يرى الكاتب السعودي، سلمان الشريدة، أن هذا النوع من الخلافات “يمكن احتواؤه”، لكنه يشير، في الوقت ذاته، إلى أن “اتساع بعض التدخلات الإقليمية لأبوظبي ودعمها أطرافاً محلية ذات نزعات انفصالية في عدد من الساحات أسهم في تعميق التباين وخلق نقاط احتكاك باتت تمثل تحدياً يصعب على الرياض تجاهله وتستدعي إعادة ضبط للسلوك السياسي”.
تسببت الأزمة في اليمن في إشعال فتيل خلاف بين الدولتين الخليجيتين. ففي أواخر ديسمبر، شنت السعودية هجوماً على ما وصفته بشحنة أسلحة ومعدات إماراتية كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي في ميناء المكلا، قبل أن تدعم هجوماً أدى إلى انهيار المجلس الانتقالي وإعلان الإمارات انسحابها من اليمن بعد حضور دام نحو عقد من الزمن كقوة رئيسية على الأرض. وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تبادل محللون سعوديون وإماراتيون الهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي في مشهد غير معتاد من الخلاف العلني، بعد أن كانت دول الخليج تحرص، في السابق، على إبقاء خلافاتها بعيداً عن دائرة الضوء، في محاولة لإظهار جبهة موحدة في مواجهة الخصم المشترك الرئيسي، وهو إيران.
توسّع دائرة الخلاف: من الإقليم إلى الاقتصاد
تمتد الخلافات بين الرياض وأبوظبي لتشمل المنطقة بأسرها، حيث يدعم كل منهما أطرافاً مختلفة في صراعات تمتد من السودان إلى الصومال وسوريا. كما يتنافس الطرفان بشدة اقتصادياً، بما في ذلك على جذب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية والزوار والاستحواذ على الحصة الأكبر من طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية.
غزة: تقاطع مصالح أم تنسيق محدود؟
شكل الترحيب المشترك لوزراء خارجية الإمارات وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية وقطر بدعوة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للانضمام إلى “مجلس السلام” مؤشراً لافتاً على توافق دبلوماسي فرضته تداعيات الحرب على غزة ومتطلبات احتواء عدم الاستقرار الإقليمي. وفي هذا الإطار يثار تساؤل حول ما إذا كانت المشاركة في بيان مجلس غزة تمثل عودة لحد أدنى من التنسيق السياسي بين السعودية والإمارات.
يقول عبد الخالق عبدالله إن “التعاون والتنسيق بين الإمارات والسعودية قائم في عدة ملفات إقليمية وغزة أحدها. والتنسيق بين الرياض وأبوظبي مهم لإنهاء حرب غزة والاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب خاصة أنهما أصبحا أعضاء في مجلس السلام الخاص بغزة”. في المقابل، يرى الكاتب سلمان الشريدة أن هذا التلاقي لا يمكن قراءته بوصفه عودة لتنسيق سياسي مباشر أو انسجام واسع في المقاربات الإقليمية، بقدر ما يعكس تقاطعاً محدوداً فرضته حساسية الملف الإنساني في غزة واستمرار ضغط الرأي العام الدولي. ويشير الشريدة إلى وجود حرص متبادل على تحييد الخلافات الثنائية وعدم السماح بانعكاسها على القضايا المحورية في المنطقة، وفي مقدمتها الملفات الإنسانية ومتطلبات الأمن الإقليمي المشترك، دون أن يعني ذلك تجاوز التباينات القائمة أو إعادة إنتاج شراكة استراتيجية مكتملة.
مستقبل العلاقة: بين التهدئة والصراع البارد
عن تصاعد حدة التعبير عن الخلاف على مستوى الخطاب الرسمي، يلفت الشريدة إلى أن التصريحات السعودية جاءت في إطار الوضوح والصراحة المرتبطة بمحددات الأمن والاستقرار وكشف الوقائع كما هي، في حين اتسم الخطاب الإماراتي بحالة من عدم الاتساق بدءاً بالنفي ثم الانتقال إلى الصمت، وهو ما لا يعكس تهدئة حقيقية بقدر ما يشير إلى تعليق مؤقت للتصعيد دون معالجة جوهر الخلاف. ويشير الشريدة إلى أن احتمالات التهدئة لا تحكمها فقط كلفة التصعيد السياسية والإعلامية، بل تتقدم عليها ضغوط الملفات الإقليمية المشتركة التي تفرض حداً أدنى من التنسيق وتستدعي تحقيق توازن دقيق بين إدارة الخلاف من جهة ومتطلبات الأمن والاستقرار الإقليمي من جهة أخرى.
في حال انتهى هذا التوتر بنمط يمكن توصيفه بسلام بارد، يلفت الشريدة إلى أن ذلك سيعني الانتقال إلى إدارة خلاف محسوبة دون الارتقاء إلى شراكة سياسية كاملة، مع خفض مستويات التصعيد الإعلامي والسياسي مقابل استمرار التباين في المقاربات. ويرى عبدالخالق عبدالله أن “الخلاف السعودي الإماراتي الراهن قد يشهد مزيداً من التصعيد أو قد يتراجع سريعاً خاصة أن مزيداً من التصعيد ليس في صالح أكبر اقتصاديين وأقوى قوتين في المنطقة”، على حد تعبيره.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق