قانون الحيوانات الضالة المغرب
المجتمع

مشروع القانون 19.25: هل يعيد الاعتبار للإطار القانوني لمعالجة الحيوانات الضالة بالمغرب؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت الفضاءات العامة بالمغرب في السنوات الأخيرة انتشارًا ملحوظًا للحيوانات الضالة، مما أثار موجة من الاحتجاجات والمطالبات بضرورة إيجاد حلول جذرية لهذه الظاهرة. لم تقتصر تداعيات هذا الانتشار على الإزعاج فحسب، بل وصلت إلى مستويات خطيرة، حيث تسببت في مآس أودت بحياة بعض الأشخاص، سواء بسبب داء الكلب أو نتيجة هجمات مباشرة.

في خضم هذه التحديات، برزت وقائع كشفت عن ممارسات وأفكار متطرفة في مجال الرفق بالحيوان، اتخذت أحيانًا طابع الانقلاب على القانون، وذلك منذ توقيع «الاتفاقية الإطار للشراكة والتعاون لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة» عام 2019 بين وزارة الداخلية (المديرية العامة للجماعات الترابية)، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، ووزارة الصحة، والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة.

وفي خطوة تشريعية مهمة، صادق مجلس الحكومة بتاريخ 10 يوليوز 2025 على مشروع قانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها. وقد أشار الإعلان عن هذه المصادقة إلى الأخذ بتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، وتكليف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بإعداد هذا المشروع. بعد إحالته على البرلمان، تبين أن المشروع يضم 55 مادة موزعة على سبعة أبواب، تغطي الأحكام العامة، نظام التصريح بالحيوان والتزامات المالك، مراكز رعاية الحيوانات الضالة (الجماعية والخاصة)، قاعدة البيانات، البحث عن المخالفات والعقوبات، وأحكام انتقالية وختامية.

يطرح هذا التطور سؤالًا جوهريًا: هل ينجح مشروع القانون رقم 19.25 في إعادة الاعتبار للإطار القانوني المنظم لهذه الظاهرة؟ للإجابة عن هذا التساؤل، سنستعرض في المحور الأول مظاهر الانحراف عن القانون باسم الرفق بالحيوان، ثم نتناول في المحور الثاني توجه المشروع نحو إعادة الاعتبار للقانون، لنختتم في المحور الثالث ببيان حدود هذه المحاولة.

أولاً: الانحراف عن القانون في دعوى الرفق بالحيوان

1. على مستوى الاتفاقية الإطار

جاء إعداد الاتفاقية الإطار عام 2019 استجابةً لانتقادات منظمات وطنية ودولية معنية بحماية الحيوانات، إلا أن السرعة في إخراجها أدت إلى تضمينها أخطاء جوهرية. أول هذه الأخطاء كان شكليًا، تمثل في مخالفة الترتيب المعتاد لإعداد النصوص القانونية، حيث قدمت الظهير الشريف على القانون التنظيمي، وهو ما يتعارض مع التسلسل التشريعي المعمول به في المغرب.

أما من الناحية الموضوعية، فكان من المفترض أن تلتزم الاتفاقية الإطار بالقوانين المنظمة لموضوعها. ومع أنها أشارت إلى هذه القوانين في حيثياتها، إلا أنها لم تتقيد بها، بل سارت في اتجاه إرساء قواعد جديدة تخالف النصوص التشريعية القائمة. فبينما ينص القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات على اضطلاع رئيس الجماعة بجمع الكلاب الضالة بهدف إخلاء الفضاء العام منها، أقرت الاتفاقية الإطار اعتماد أسلوب الجمع والتعقيم والتلقيح والإعادة إلى المكان الأصلي (TNR). هذا الأسلوب، بحسب تفسير الاتفاقية، يعني ضمنيًا إعادة انتشار الكلاب والقطط الضالة في الفضاء العام، وهو ما يتناقض مع الهدف الأساسي للقانون التنظيمي.

ويؤكد موقف المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها رقم 1400 الصادر بتاريخ 8 نونبر 2022، وإن استندت إلى الاتفاقية الإطار في تقرير أهمية رعاية الكلاب الضالة، أنها اكتفت بتعقيم وتلقيح الكلاب دون ذكر مقتضى إعادتها إلى مكان جمعها. بل فسرت المحكمة مآل هذا الأسلوب بـ«جمعها في أماكن خاصة بها»، وهو ما يتماشى مع المادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات، ويؤكد أن مهمة جمع الكلاب الضالة وإعادة نشرها مهمتان لا تجتمعان.

وبالإضافة إلى ذلك، خالفت الاتفاقية الإطار قرار وزير الفلاحة والصيد البحري رقم 2271.13 الصادر في 21 نونبر 2013، الذي يمنح للجماعات إمكانية قتل الكلاب والقطط الضالة داخل المجال الحضري. فمع إشارتها إلى هذا القرار، تجاوزته الاتفاقية وقدمت مقتضى جديدًا يخالفه، مما يعد مخالفة لنص تشريعي أعلى.

كما لم تلتزم الاتفاقية الإطار بتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، التي تشترط لاعتماد أسلوب (TNR) قبول الساكنة المحلية له، وهو ما ورد في المدونة الصحية للحيوانات البرية (نسخة 2024، ص 475). هذا الشرط الحيوي تم تجاهله، حيث اكتفت الاتفاقية بـ«القيام بعمليات التحسيس والتوعية للتعريف بهذه المقاربة وبأهدافها»، وفرضت الاتفاقية على المجالس الجماعية رغم رفض بعضها، كما وثق ذلك ياسين جلوني في أطروحته للدكتوراه.

لقد أسفرت هذه الأخطاء عن نتائج سلبية، منها: تعطيل المكنة القانونية للجماعات في التعامل مع الحيوانات الضالة، وتفاقم الأضرار، ودعوة الجماعات لإشراك جمعيات حماية الحيوانات دون تحديد مدى انسجام ذلك مع المادة 149 من القانون التنظيمي للجماعات، مما وضع الجماعات في موقف ضعف أمام هذه الجمعيات. كما وفرت الاتفاقية غطاء لمقاضاة الجماعات ووزارة الداخلية نفسها، مما أدى إلى تكبد ميزانيات الجماعات مصاريف إضافية، وأثار تساؤلات حول نجاعة تأطير وزارة الداخلية لملف الحيوانات الضالة.

2. على مستوى دعاة الرفق بالحيوان

إذا كانت الاتفاقية الإطار قد أفرزت ما سبق ذكره من إشكاليات، فإن بعض دعاة الرفق بالحيوان قد ساهموا بدورهم في تعميق هذه الإشكالات من خلال تبني أفكار وممارسات تتجاوز الإطار القانوني، مما أثر سلبًا على جهود تنظيم هذه الظاهرة.

ثانياً: محاولة المشروع إعادة الاعتبار للقانون

يسعى مشروع القانون رقم 19.25 إلى تصحيح بعض الاختلالات القانونية التي شابت التعامل مع ظاهرة الحيوانات الضالة، وذلك من خلال عدة مقتضيات:

1. على صعيد المادتين 5 و 44

تتجه المادتان 5 و 44 من المشروع نحو إعادة التوازن القانوني، حيث يتوقع أن تحددا بوضوح المسؤوليات وتضعا إطارًا قانونيًا أكثر صرامة للتعامل مع الحيوانات الضالة، بما يضمن حماية المجتمع ورفق الحيوان في آن واحد.

2. على صعيد البند الثامن من المادة 13

يُنتظر أن يعالج البند الثامن من المادة 13 من المشروع إشكالية مراكز رعاية الحيوانات الضالة، سواء تلك المحدثة من لدن الجماعات أو من لدن أشخاص القانون الخاص، عبر وضع ضوابط ومعايير واضحة لتأسيسها وتشغيلها، بما يضمن فعاليتها وانسجامها مع الأهداف العامة للقانون.

ثالثاً: حدود المحاولة

رغم التوجه الإيجابي لمشروع القانون، إلا أنه يواجه بعض التحديات والحدود التي قد تعيق فعاليته:

1. الاصطدام بالمادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات

قد يصطدم المشروع بمقتضيات المادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات، التي تمنح رؤساء الجماعات صلاحيات واسعة في مجال الشرطة الإدارية، بما في ذلك جمع الكلاب الضالة. هذا التضارب قد يثير إشكاليات في التطبيق العملي، خاصة إذا لم يتم التوفيق بين أهداف المشروع وصلاحيات الجماعات.

2. اضطراب فلسفة العقاب

قد تشهد فلسفة العقاب في المشروع بعض الاضطراب، مما قد يؤثر على فعالية الردع والامتثال للقانون. فمن الضروري أن تكون العقوبات واضحة، متناسبة، وقابلة للتطبيق لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من القانون.

3. تحجيم دور السلطة الإدارية المحلية

قد يؤدي المشروع إلى تحجيم دور السلطة الإدارية المحلية في إدارة ظاهرة الحيوانات الضالة، خاصة إذا لم يمنحها الصلاحيات الكافية للتدخل الفعال والسريع. إن تفعيل دور السلطات المحلية أمر حيوي لضمان استجابة سريعة وفعالة للتحديات الميدانية.

خلاصات

إن مشروع القانون رقم 19.25 يمثل خطوة هامة نحو تنظيم ملف الحيوانات الضالة في المغرب وإعادة الاعتبار للإطار القانوني الذي شابه بعض الغموض والتضارب. ومع ذلك، فإن نجاحه مرهون بمدى قدرته على تجاوز التحديات القائمة، وتوضيح الاختصاصات، وتوحيد الرؤى بين مختلف الفاعلين، بما يضمن حماية المواطنين والرفق بالحيوان في إطار قانوني واضح وفعال.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *