صورة جوية لمبانٍ مدمرة في جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية، تظهر حجم الخراب والنزوح.
السياسة

لبنان على مفترق طرق: تصعيد جنوبي ومستقبل سلاح حزب الله شمال الليطاني

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت الأيام الماضية تصعيداً لافتاً في جنوب لبنان، إثر رسالتي إنذار عاجلتين من الناطق باسم الجيش الإسرائيلي عبر منصة “إكس”، طالبت سكان مبانٍ سكنية في خمس بلدات جنوبية، شمال الليطاني، بالإخلاء الفوري. لم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى تحولت الحياة اليومية إلى حالة من الفوضى والنزوح، حيث هرعت العائلات لمغادرة منازلها، تاركة خلفها تفاصيل حياة معلقة. تبع ذلك دوّي غارات جوية استهدفت المباني ذاتها التي طُلب إخلاؤها، في تصعيد وُصف بأنه غير مسبوق منذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ومع انقشاع سحب الدخان، بدأت تتكشف ملامح دمار واسع في جنوب لبنان. وقد أسفرت هذه الغارات، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، عن إصابة 19 شخصاً بجروح في بلدة قناريت، من بينهم إعلاميون، لتضاف هذه الحصيلة إلى سجل متزايد من الضحايا. يأتي هذا التصعيد في ظل تشابك الضغوط العسكرية مع المسارات السياسية، ويقف لبنان اليوم أمام واحدة من أكثر أزماته السيادية تعقيداً: ملف سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني.

تحديات السيادة اللبنانية وملف السلاح

في خضم التصعيد الإسرائيلي المتواصل والضغط الدولي المتزايد، ومع قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة، لا يزال حزب الله متمسكاً بسلاحه شمال نهر الليطاني. ومع اقتراب الموعد المحدد لتسلم الحكومة اللبنانية خطة الجيش المتعلقة بحصر السلاح شمال الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي، تتزايد المخاوف من أن تسبق التطورات الميدانية أي حلول سياسية أو تفاوضية. الغارات الأخيرة لم تكن بمعزل عن هذا السياق، بل حملت رسائل مباشرة مفادها أن الوقت المتاح للتوصل إلى حلول يضيق بسرعة. وفي هذا الإطار، وصف رئيس الحكومة نواف سلام، من دافوس، ما يجري في الجنوب بأنه “حرب استنزاف من طرف واحد”.

مواقف متباينة: دعوات نزع السلاح ورفض حزب الله

مع انتقال الدولة والجيش اللبناني إلى مرحلة حصر السلاح شمال الليطاني، يرى مراقبون أن حزب الله اختار رفع منسوب التصعيد السياسي. تجلى هذا الخيار في مواقف قيادته، وفي حملة استهدفت رئيس الجمهورية جوزاف عون، بعد دعوته الحزب إلى “التعقل والعودة إلى الدولة عبر تسليم سلاحه”، معتبراً أن بقاء هذا السلاح “أصبح عبئاً على بيئته ولبنان”. وقد تصاعد الهجوم على عون بشكل ملحوظ بعد كلمته أمام أعضاء السلك الدبلوماسي، حيث أبدى حرصه على عدم الزجّ بلبنان في “مغامرات انتحارية”، مشيراً إلى أن الدولة أنجزت “تنظيف مناطق شاسعة من أيّ سلاح غير شرعي” جنوب الليطاني.

في المقابل، ردّ الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، على دعوات تسليم السلاح شمال الليطاني بالقول: “طويلة على رقبتكم أن نتجرّد من السلاح”، معتبراً هذا الطرح جزءاً من مشروع إسرائيلي–أميركي يهدف إلى تطويق الحزب. في غضون ذلك، تتهم إسرائيل الحزب بالعمل على إعادة تسليح نفسه وتهريب الأسلحة عبر الحدود السورية. وفي هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تنفيذ غارات استهدفت أربعة معابر حدودية بين لبنان وسوريا في منطقة الهرمل، زاعماً أنها تُستخدم لتهريب وسائل قتالية. كما أعلن مقتل محمد عوضة في غارة بمنطقة صيدا، واصفاً إياه بتاجر ومهرّب أسلحة مركزي للحزب.

تحليل الخبراء: وظيفة داخلية للسلاح؟

يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر أن ساحة المواجهة البرية المباشرة مع إسرائيل “محصورة جنوب الليطاني”، وأن السلاح الموجود شماله “لا يؤدي دوراً عسكرياً ضد إسرائيل”، معتبراً أن الاحتفاظ به لا يمكن تفسيره “إلا بوظيفة داخلية”. ويشير نادر إلى أن خطاب الحزب نفسه يعكس هذا التحوّل، إذ قال قاسم صراحة إن “السلاح يحمينا، أي يحمي الحزب لا لبنان”، متسائلاً: “ممن يحمي الحزب نفسه بهذا السلاح؟”. ويضيف أن “قاسم أقرّ بأن السلاح لم يوفّر للحزب الحماية المطلوبة من الضربات الإسرائيلية، وبأن الحزب لا يريد المسّ بأمن المستوطنات الإسرائيلية، ما يُسقط الذريعة العسكرية للاحتفاظ بسلاحه”.

من جهته، يعتبر عضو تكتل “لبنان القوي” النائب أسعد درغام أن سلاح حزب الله “أثبت عدم جدواه في المعادلة التي فرضتها حرب الإسناد وما تلاها من ردّ إسرائيلي واسع”، محذراً من أن “الخطاب التصعيدي قد يمنح إسرائيل ذرائع إضافية لتوسيع استهدافاتها”. أما الباحث في الشأن السياسي نضال السبع، فيرى أن سلاح الحزب “تحوّل إلى الورقة الأخيرة المتبقية بيده لتحسين شروطه والدفاع عن بقائه”، لكنه يعتبر أن المعطيات نفسها التي فرضت تسليم السلاح جنوب الليطاني “ستفرض لاحقاً تسليمه شماله أيضاً”.

شروط الحزب ومخاوفه

يستند حزب الله في موقفه الرافض لتسليم سلاحه إلى القرار 1701، الذي ينصّ على إقامة منطقة خالية من أيّ وجود مسلّح غير شرعي بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، لكن هذا القرار نفسه ينص على تطبيق القرار 1559، القاضي بنزع سلاح جميع الميليشيات من مختلف الأراضي اللبنانية. ويربط الحزب أيّ نقاش حول سلاحه شمال الليطاني بجملة شروط، أبرزها انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي لا تزال تتمركز فيها، ووقف الاستهدافات، وإطلاق سراح الموقوفين اللبنانيين.

وفي معرض دفاعه عن موقف الحزب، يطرح قاسم سؤلاً: “من يضمن عدم استباحة إسرائيل لكلّ لبنان إذا لم يكن بيد الحزب سلاح؟”. ويربط الحزب كذلك احتفاظه بالسلاح بما يعتبره أخطاراً محتملة مصدرها الساحة السورية، ولا سيما من جماعات متطرفة. ويشير السبع إلى مخاوف الحزب من استمرار استهدافه بعد تسليم سلاحه، قائلاً إن “التجربة السابقة تُظهر أن إسرائيل لا تُغلق ملفاتها الأمنية”. وبناءً عليه، يرى أن حزب الله “لن يكون في مأمن من الاستهداف، لا عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً، إذ سيُطرح مستقبل الحزب كتنظيم سياسي على بساط البحث، حتى لو أفضت الانتخابات إلى حصوله على أكثرية داخل الطائفة الشيعية”.

تحذيرات من الانزلاق الداخلي وضغوط إقليمية

لوّحت قيادات في حزب الله، في أكثر من مناسبة، بخطر الفتنة الداخلية. وقد شدد قاسم على أن “الحكومة اللبنانية تتحمّل كامل المسؤولية عن أيّ انفجار داخلي، وعن تخليها عن واجبها في الدفاع عن أرض البلاد”. وقد أثارت هذه المواقف ردود فعل رسمية، إذ علّق وزير العدل عادل نصّار على خطاب قاسم الأخير الذي هاجم فيه وزير الخارجية يوسف رجي، قائلاً عبر حسابه على منصة “إكس”، إن “على كلّ من يلوّح بالحرب الأهلية لأجل الحفاظ على سلاحه، أن يتوقّف عن إعطاء دروس في الوطنية لوزير في الحكومة”. وفي السياق نفسه، ورداً على سؤال حول احتمال اندلاع حرب داخلية، يشدّد درغام على خطورة زجّ الجيش اللبناني في أيّ صراع داخلي، محذراً من أن “أضرار ذلك على لبنان أكبر بكثير من الحرب مع إسرائيل”.

على الصعيد الإقليمي، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في كلمته خلال منتدى دافوس أمام قادة الدول المنضوية في “مجلس السلام”، أن “حزب الله في لبنان بات بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه سابقاً”، مضيفاً: “لا بدّ من القيام بشيء حيال ذلك”. ويرى نادر أن حزب الله قد يسعى إلى توظيف سلاحه شمال نهر الليطاني لفرض معادلة جديدة ذات طابع سياسي–دستوري، مستعيداً دعوات سابقة للأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله لإعادة صياغة العقد الاجتماعي من خلال مؤتمر وطني. وبرأيه، قد تهدف هذه الطروحات إلى تحقيق مكاسب تتجاوز الحصص الحكومية التقليدية، وصولاً إلى مواقع سيادية وأمنية حساسة، مثل “استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية بصلاحيات واسعة، إضافة إلى السعي نحو مواقع أمنية كقيادة الجيش أو إدارة المخابرات”. ويشير نادر إلى أن هذه الأفكار “جرى تداولها في الكواليس السياسية ولم تُنفَ”.

في المقابل، يعرب درغام عن خشيته من أن يكون قرار حزب الله المتعلق بالسلاح مرتهناً لحسابات إقليمية وضغوط خارجية، معتبراً أن هذا الملف قد يرتبط مباشرةً بطبيعة العلاقة بين حزب الله وإيران. وفي هذا الإطار، قال سلام: “لا أظن أن العلاقة بين حزب الله والنظام الإيراني قد ضعفت. رسالتي الدائمة إلى حزب الله هي أن يتصرّف كحزب لبناني، وأن يعطي الأولوية لدوره الوطني على أيّ أجندة إقليمية أخرى”.

سيناريوهات مفتوحة ومستقبل غامض

رغم التصعيد السياسي والتهديدات الضمنية، تؤكد الدولة اللبنانية التزامها تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الشرعية، حيث شدّد سلام على أن الدولة ماضية في تنفيذ قرارها شمال نهر الليطاني. يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين خيار التسوية السياسية والتصعيد الميداني، في ظل تحديات داخلية وإقليمية معقدة ترسم ملامح مستقبل غامض للبلاد.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *