إن العلاقة الزوجية ليست مجرد عقد يوقع لمرة واحدة، بل هي كيان حي يتطلب رعاية مستمرة، وتواصلاً واعيًا، وتجديدًا دائمًا. ففي خضم ضغوط الحياة اليومية وتراكم المسؤوليات، قد تتسع الفجوة العاطفية بين الزوجين تدريجيًا دون أن يلاحظا ذلك في مراحله الأولى. والأخطر من ذلك أن جزءًا كبيرًا من هذه الفجوة لا ينبع من مشكلات جوهرية، بل من أخطاء بسيطة ومتكررة يتم التعامل معها بتهاون حتى تتحول إلى حاجز صامت يفصل بين الطرفين.
في هذا السياق، تستعرض الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذة التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أبرز الأخطاء الشائعة التي تساهم في اتساع المسافة العاطفية بين الزوجين، وتقدم في الوقت ذاته حلولًا عملية وواقعية لمعالجتها.
1. إهمال التواصل العاطفي والاكتفاء بالمحادثات الوظيفية
من الأخطاء الأكثر شيوعًا تحول الحوار بين الزوجين إلى مجرد تبادل للمعلومات المتعلقة بالمهام اليومية: مصروف المنزل، مواعيد الأبناء، والالتزامات الروتينية. يغيب عن هذا النوع من التواصل الحديث عن المشاعر، الاحتياجات، المخاوف، أو لحظات الفرح. هذا النمط يجعل العلاقة تبدو وكأنها شراكة إدارية بحتة، لا علاقة إنسانية عميقة.
الحل: تخصيص وقت يومي أو أسبوعي للحوار الهادئ دون مقاطعات، حتى لو لعشر دقائق فقط، بهدف السؤال عن المشاعر وليس عن الواجبات. جملة بسيطة مثل: “كيف تشعر اليوم؟” قد تعيد الدفء المفقود.
2. افتراض الفهم دون الحاجة للسؤال
يفترض العديد من الأزواج أنهم يدركون ما يدور في ذهن الطرف الآخر دون الحاجة للاستفسار، فيُفسَّر الصمت على أنه تجاهل، والانشغال على أنه عدم اهتمام، والغضب على أنه قسوة. غالبًا ما تكون هذه الافتراضات خاطئة، لكنها تتراكم لتخلق سوء فهم عميق.
الحل: العودة إلى جوهر العلاقة من خلال السؤال المباشر والهادئ، بعيدًا عن أي اتهام. بدلًا من قول: “أنت لا تهتم”، يمكن التعبير بـ: “أشعر أنك بعيد هذه الفترة، هل هناك ما يزعجك؟”.
3. تجاهل لغات الحب المختلفة
من الأخطاء الجسيمة الاعتقاد بأن ما يشبع أحد الزوجين عاطفيًا يجب أن يشبع الآخر تلقائيًا. فكل شخص لديه “لغة حب” خاصة به؛ فالبعض يحتاج إلى الكلمات، وآخر إلى الاحتواء، وآخر إلى التقدير اللفظي أو الأفعال. تجاهل هذه الاختلافات يولد شعورًا بعدم الفهم.
الحل: التعرف على “لغة الحب” الخاصة بكل طرف، سواء كانت كلمات التقدير، الوقت المشترك، الهدايا الرمزية، الدعم، أو اللمسة الجسدية. تلبية الاحتياج الصحيح، حتى لو كان بسيطًا، يحدث فرقًا كبيرًا.
4. تأجيل النقاشات وتراكم الخلافات
يؤدي تأجيل النقاشات، بحجة تجنب المشاكل، إلى تراكم الغضب والشعور بالخذلان. ومع مرور الوقت، يتحول الصمت إلى برود، ويصبح الحديث عن أي مشكلة فرصة لانفجار قديم.
الحل: مواجهة الخلافات في وقتها وبأسلوب هادئ، مع الفصل بين المشكلة والشخص. يجب أن يكون الهدف من النقاش هو الفهم والتوصل إلى حل، لا الانتصار أو إثبات الخطأ.
5. النقد الدائم وغياب التقدير
النقد المستمر، خاصة أمام الآخرين أو بأسلوب ساخر، يهدم الشعور بالأمان العاطفي. وعندما يغيب التقدير، يشعر الطرف الآخر بأنه غير مرئي أو غير مهم مهما قدم.
الحل: موازنة أي ملاحظة سلبية بتقدير صادق. الإكثار من عبارات الامتنان والثناء على الأمور الصغيرة قبل الكبيرة، فالتقدير هو غذاء أساسي للعلاقة.
6. تهميش العلاقة الزوجية لصالح الأبناء والعمل
رغم أهمية الأبناء والعمل، إلا أن جعلهما محور الحياة بالكامل يؤدي إلى تهميش العلاقة الزوجية. يستيقظ العديد من الأزواج بعد سنوات ليكتشفوا أنهم يعيشون مع غرباء.
الحل: الوعي بأن قوة الأسرة تبدأ من قوة العلاقة بين الزوجين. تخصيص وقت للزوجين وحدهما، حتى داخل المنزل، دون الشعور بالذنب.
7. عدم مواكبة تطور الشريك
يتغير كل إنسان مع العمر والتجارب، لكن تجاهل هذه التغيرات وعدم مواكبتها قد يخلق فجوة. فما كان يرضي في بداية الزواج قد لا يكون كافيًا بعد سنوات.
الحل: إعادة التعارف بين الحين والآخر، والاعتراف بأن العلاقة تحتاج لتحديث مستمر، تمامًا كأي مشروع ناجح.
إن الفجوة العاطفية لا تظهر فجأة، بل تنمو بهدوء داخل تفاصيل الحياة اليومية. وإدراك الأخطاء الصغيرة، والتعامل معها بوعي وصدق، يمكن أن ينقذ العلاقة قبل أن تصل إلى مرحلة البرود أو الانفصال العاطفي. فالزواج الناجح ليس بغياب المشكلات، بل بالقدرة على التعامل معها بروح المشاركة والاحتواء.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق