أثارت التصريحات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، والتي تناولت “هجمة الذكاء الاصطناعي العالمية”، صدى واسعاً وسريعاً في دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم أن هذه التصريحات لم تتناول بشكل مباشر تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل الخليجية، إلا أن بعضها أثار مخاوف جدية من تحول جوهري وشيك قد يطال عشرات وربما مئات الآلاف من الوظائف خلال فترة زمنية قصيرة.
الذكاء الاصطناعي: تسونامي يلوح في الأفق الاقتصادي العالمي
وصفت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، الذكاء الاصطناعي بـ”التسونامي الذي سيضرب سوق العمل”. وخلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أشارت جورجيفا إلى أن الأبحاث تتوقع تأثر 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تطرق عدد من الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا، خلال مشاركاتهم في المؤتمر، إلى التأثيرات المتنوعة للذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، وتوقع بعضهم أن يقضي على ما يصل إلى نصف وظائف ذوي الياقات البيضاء في المستويات المبتدئة.
تعتبر دول الخليج من الدول الرائدة في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعاتها الاقتصادية. هذا التوجه، بحسب مراقبين، قد يجعل العمال والموظفين في هذه الدول أكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب.
التحولات في سوق العمل الخليجية: رؤى من الداخل
في إحدى جلسات دافوس المخصصة للذكاء الاصطناعي، كشف أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أن اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي قد أحدث تحولات جوهرية في الأداء المالي والتشغيلي للشركة. وأشار إلى أن القيمة المحققة من هذه التقنيات ارتفعت بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 6 مليارات دولار خلال عامي 2023 و 2024، مقارنة بـ 300 مليون دولار فقط في السنوات السابقة. وأكد الناصر أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في دوره ضمن العمليات التشغيلية الأساسية، وليس فقط في الوظائف المساندة كالترجمة أو الأعمال القانونية.
هذا التوجه يعكس مساعي الدول والشركات الخليجية للاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي. وفي سياق تحليلي للوضع الخليجي، يرى الكاتب والاقتصادي السعودي إبراهيم المالك، في تصريح لموقع “الحرة”، أن تأثير الذكاء الاصطناعي واضح، لكنه لا يتسم بالصدامية التي يُصوّر بها أحياناً. وأوضح المالك أن الاستثمار الخليجي في هذه التقنيات يهدف إلى تغيير طبيعة العمل بدلاً من تقليص عدد الوظائف.
يشير المالك إلى أن التحول الجاري يتمثل في الانتقال من وظائف تعتمد على التكرار والتنفيذ إلى وظائف ترتكز على التحليل والحكم واتخاذ القرار، مع “إعادة تعريف دور الإنسان داخل المؤسسة، بحيث تصبح القيمة الحقيقية كامنة في التفكير والقدرة على التكيّف لا في مجرد تنفيذ المهام”.
ويؤكد هذا الطرح الاقتصادي ومستشار تطوير الأعمال البحريني منذر فيصل، الذي صرح لـ”الحرة” بأن الذكاء الاصطناعي يؤثر في سوق العمل من خلال أتمتة بعض الوظائف ورفع كفاءة الإنتاج. وفي المقابل، يرى فيصل أنه “يخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات تقنية وتحليلية متقدمة، مع تقليص تدريجي للوظائف الروتينية منخفضة المهارة وظهور فرص في مجالات مثل البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني”.
قطاعات في مرمى التغيير: أين تضرب موجة الذكاء الاصطناعي؟
يتفاوت تأثير الاستخدام المكثف لتقنيات الذكاء الاصطناعي بين القطاعات الاقتصادية المختلفة. يرى المالك أن القطاعات الأكثر تأثراً هي تلك التي تعتمد بشكل كبير على البيانات أو العمليات التشغيلية المعقدة، مثل الخدمات المالية، الطاقة، الرعاية الصحية، والخدمات الحكومية. وأوضح أن “قطاعات مثل التعليم والإعلام تتأثر بوتيرة أبطأ، لكنها تشهد تحوّلات أعمق، لا تقتصر على البعد التقني، بل تمتد إلى أنماط التفكير والتفاعل مع الإنسان”.
ويشدد المالك على أن “اختفاء بعض المهن أو المهام لا يعني تراجع الطلب على الكفاءات، خاصة في اقتصادات ديناميكية مثل تلك الموجودة في دول الخليج، إذ إن التحول يطال نوعية الوظائف المطلوبة أكثر مما يمسّ جاذبية السوق”.
من جانبه، يشير فيصل إلى أن “التأثيرات الأوسع للذكاء الاصطناعي تطال قطاعات النفط والغاز والخدمات المالية والرعاية الصحية والخدمات الحكومية، بالإضافة إلى النقل واللوجستيات وقطاع التجزئة”.
استراتيجيات التكيف: بناء حصانة ضد التحديات
للتخفيف من الآثار السلبية للتحول التقني على الموظفين، يؤكد المالك على ضرورة ربط التحول التقني بتحول بشري متكامل. يتطلب ذلك برامج تدريب مرنة، وإعادة تأهيل مهني مستمرة، وشراكات فاعلة مع القطاع الخاص، فضلاً عن أطر تنظيمية تحمي الموظف خلال مراحل الانتقال.
ويرى فيصل أن جاهزية القوى العاملة في دول الخليج للتعامل مع هذا التحول لا تزال جزئية. ويشدد على أن الحد من الآثار السلبية للتحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب التركيز على برامج إعادة التأهيل والتدريب المهني، وتحديث منظومات التعليم، وتشجيع الانتقال إلى وظائف ذات قيمة مضافة أعلى، مما يعزز قدرة سوق العمل على التكيف مع التحولات التقنية المتسارعة.
بقلم: سكينة المشيخص – كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق