توفي رفعت الأسد، الشقيق الأصغر للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، يوم الثلاثاء عن عمر يناهز 88 عاماً في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفقاً لمصادر مطلعة. يُعرف الأسد لدى منتقديه بلقب “جزّار حماة” بسبب دوره المزعوم في قمع انتفاضة مدينة حماة عام 1982، كما خاض محاولة فاشلة للاستيلاء على السلطة قبل أن يغادر البلاد إلى المنفى.
مسيرة صعود في ظل شقيقه
ولد رفعت الأسد عام 1937 في بلدة القرداحة بمحافظة اللاذقية السورية. تلقى تعليمه الأساسي في قريته، ثم درس العلوم السياسية في جامعة دمشق وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1977. انضم إلى حزب البعث عام 1952 والتحق بالجيش السوري، حيث تدرج في الرتب ليصبح ضابطاً كبيراً. لعب دوراً محورياً في صعود حزب البعث في سوريا، خاصة بعد انقلاب عام 1963. كما شارك في حرب عام 1967، حيث كان مسؤولاً عن كتيبة دبابات في جبهة القنيطرة.
في عام 1971، بعد عام من تولي حافظ الأسد رئاسة البلاد، تشكلت “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت، وهي قوة عسكرية غير نظامية أوكلت إليها مهمة حماية السلطة الحاكمة. عُرف رفعت في تلك الفترة بكونه “الرجل الثاني” في حكم البعث والذراع الأيمن لشقيقه. وفي يونيو/حزيران 1979، أُعدم 15 شخصاً في دمشق بتهمة محاولة اغتياله. كما أسس “الرابطة العليا للخريجين” وعُين رئيساً لمكتب التعليم العالي حتى عام 1980، وبالتزامن مع ذلك، رئيساً للمحكمة الدستورية.
اتهامات “مجزرة حماة”
في فبراير/شباط 1982، وبصفته قائداً لـ”سرايا الدفاع” التي ضمت حوالي 20 ألف جندي، قاد رفعت الأسد القوات التي أخمدت تمرداً لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة حماة. تشير النيابة العامة السويسرية إلى أن “سرايا الدفاع” هي “على الأرجح القوات الرئيسية المسؤولة عن أحداث القمع”. يُعتقد أن قوات رفعت الأسد قصفت المدينة، مما أسفر عن مقتل آلاف من سكانها (تتراوح التقديرات بين 10 آلاف و40 ألف قتيل)، وتدمير معظم أجزاء المدينة، وهو ما أكسب رفعت لقب “جزّار حماة”.
لكن رفعت الأسد نفى مسؤوليته عن “مجزرة حماة” في مقابلة تلفزيونية عام 2011، واصفاً إياها بأنها تهمة وكذبة روج لها “النظام السوري” آنذاك، محملاً الرئيس حافظ الأسد المسؤولية عما جرى.
الصراع على السلطة والمنفى
في أواخر عام 1983، وبعد تعرض حافظ الأسد لمشاكل صحية في القلب، شكل لجنة من ستة أعضاء لإدارة البلاد استبعد منها رفعت. بدأ العديد من كبار الضباط في الالتفاف حول رفعت، بينما ظل آخرون موالين لحافظ. في مارس/آذار 1984، بدأت قوات رفعت، التي قُدر عددها بأكثر من 55 ألف جندي مدعومين بالدبابات والمدفعية والطائرات والمروحيات، بفرض سيطرتها على دمشق. تمركزت دباباته في مواقع استراتيجية، وأقامت قواته نقاط تفتيش وحواجز، ووضعت ملصقات له في المباني الحكومية، ونزعت سلاح القوات النظامية، واعتقلت جنود الجيش، واحتلت مراكز الشرطة ومباني المخابرات والدولة.
على الرغم من أن دمشق كانت على شفا حرب أهلية، إلا أن لقاء بين حافظ ورفعت أجهض محاولة الانقلاب. بحلول منتصف عام 1984، تعافى حافظ الأسد وعاد إلى مهامه، والتف معظم الضباط حوله. في البداية، بدا أن رفعت سيُحاكم، وحتى إنه واجه استجواباً بُث تلفزيونياً. ومع ذلك، توصل الرئيس السوري إلى حل وسط بتعيين رفعت نائباً له مسؤولاً عن الشؤون الأمنية، لكن هذا المنصب ظل صورياً. نُقلت قيادة “سرايا الدفاع” التي تم تقليصها، ثم حُلت الوحدة بأكملها. أُرسل رفعت بعد ذلك إلى الاتحاد السوفيتي في “زيارة عمل مفتوحة”.
عند مغادرته، حصل رفعت على 300 مليون دولار أمريكي من المال العام، بما في ذلك قرض بقيمة 100 مليون دولار من الزعيم الليبي معمر القذافي. أمضى السنوات اللاحقة مقيماً بشكل أساسي بين فرنسا وإسبانيا.
علاقة معقدة مع بشار الأسد وتحديات قانونية
بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، اتسمت علاقة رفعت بابن أخيه بشار الأسد بالتعقيد. فبينما أيّد رفعت في البداية صعود بشار إلى السلطة، تدهورت علاقتهما بسبب الخلافات السياسية والعائلية. عارض رفعت قيادة بشار وانتقد تعامله مع الحرب الأهلية السورية التي بدأت عام 2011، داعياً إياه إلى التنحي لمنع الحرب الأهلية، لكنه في الوقت نفسه أبعد اللوم عن بشار، معتبراً أن الثورة كانت نتيجة تراكم أخطاء.
في تحول لافت، ظهر رفعت في مايو/أيار 2021 في السفارة السورية بباريس وهو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية، وأرسل لاحقاً برقية تهنئة لابن أخيه بمناسبة إعادة انتخابه. سمح بشار لعمّه بالعودة إلى سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 2021، في خطوة يُعتقد أنها ساعدته على تفادي السجن في فرنسا، حيث أُدين بالحصول على عقارات بملايين اليوروهات باستخدام أموال حُوّلت من خزينة الدولة السورية. كما أدانته محكمة الاستئناف في باريس عام 2021 بتهمة الاحتيال الضريبي وتشغيل أشخاص بشكل غير قانوني، وأمرت بمصادرة جميع العقارات التي اعتبرت أنه حصل عليها بطرق غير مشروعة.
واجه رفعت الأسد أيضاً تحديات قانونية في دول أخرى؛ فقد أصدر الادعاء البريطاني قراراً بتجميد أصول بملايين الجنيهات الإسترلينية تعود له في بريطانيا، ومنعه من بيع منزل يمتلكه في منطقة ميفير. كما أمرت السلطات الإسبانية بمصادرة ممتلكات أسرته وتجميد حساباتها المصرفية ضمن تحقيق ضده بتهم تتعلق بغسيل الأموال. وفي مايو/أيار 2023، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ابنه مضر بتهم تتعلق بتجارة المخدرات وانتهاك حقوق الإنسان.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حاول رفعت الفرار عبر قاعدة جوية روسية، لكن طُلب منه عدم الدخول، قبل أن يعبر لاحقاً إلى لبنان محمولاً على ظهر أحد المقربين منه أثناء اجتياز نهر، بحسب أحد المصادر المطلعة.
مواجهة العدالة في سويسرا
في عام 2024، أعلنت سويسرا أنها ستحاكم رفعت الأسد بتهمة “ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” على إثر وقائع “مجزرة حماة” في ثمانينيات القرن الماضي. واتهمه المدعي العام السويسري بأنه “أمر، بصفته قائد سرايا الدفاع وقائد العمليات في حماة، بارتكاب أعمال قتل وتعذيب ومعاملة قاسية واعتقالات غير مشروعة في سوريا في فبراير/شباط 1982… في إطار النزاع المسلح بين القوات المسلحة السورية والمعارضة الإسلامية” في مدينة حماة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق