في تطور دبلوماسي لافت، أبدى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اهتمامًا متجددًا بأزمة سد النهضة الإثيوبي، وذلك بعد أيام قليلة من توجيهه رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وقد أعلن ترامب، خلال لقائه مع الرئيس السيسي في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، عن رغبته في جمع قادة مصر وإثيوبيا على طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق ينهي النزاع القائم حول السد.
تجدد الوساطة الأمريكية: آمال وتحديات
جاءت هذه المبادرة الأمريكية لتؤكد استعداد واشنطن لإعادة تفعيل دورها كوسيط في الأزمة، بهدف تنظيم تقاسم مياه نهر النيل بين الدول الثلاث: مصر وإثيوبيا والسودان. وفي هذا السياق، ثمنت الرئاسة المصرية اهتمام ترامب بقضية مياه النيل، واصفة إياها بـ “قضية وجودية ومحورية”، ومعتبرة أن الرعاية الأمريكية قد تفتح آفاقًا جديدة نحو انفراجة مرتقبة. من جانبه، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، دعم بلاده للمبادرة، واصفًا إياها بـ “فرصة حقيقية” لإيجاد حلول عادلة ومستدامة.
وقد أعرب ترامب عن أمله في ألا يقود الخلاف المستمر إلى مواجهة عسكرية محتملة، مشددًا على مبدأ عدم انفراد أي دولة بالسيطرة على الموارد المائية المشتركة.
تحليل استراتيجي لتوقيت المبادرة
يرى الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي والأمين العام للجنة الدفاع عن الموارد المائية، أن توقيت رسالة ترامب لم يكن عشوائيًا، بل يعكس حسابات استراتيجية دقيقة للإدارة الأمريكية. وأوضح أن النزاع قد انتقل من مرحلة منع البناء إلى مرحلة تنظيم التشغيل، مما يجعل المفاوضات أكثر واقعية وقابلية للحل. وأشار مهران إلى أن اكتمال بناء السد لا يمثل نهاية النزاع، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب التركيز على قضايا جوهرية مثل: كميات المياه السنوية التي ستطلقها إثيوبيا خلال فترات الجفاف، آليات التنسيق والمراقبة المشتركة، والالتزامات القانونية الملزمة في حال تشييد سدود إضافية.
محاولات وساطة سابقة وعقبات مستمرة
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة في أزمة سد النهضة. ففي عام 2019، استضافت وزارة الخزانة الأمريكية اجتماعًا ضم وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي. أسفر الاجتماع عن خريطة طريق تضمنت تفاهمات حول جدول ملء السد وآليات التوافق أثناء الجفاف وتشغيل السد. ورغم أنه كان من المقرر أن توقع الدول الثلاث على الصيغة النهائية في فبراير 2020، إلا أن إثيوبيا تغيبت عن الاجتماع الختامي، بينما وقعت مصر بالأحرف الأولى على المسودة.
في هذا الصدد، يرى الدكتور أحمد المفتي، عضو وفد السودان ومستشاره القانوني السابق، أن تصريحات ترامب الأخيرة لا تمثل تحولًا جديدًا، بل تندرج ضمن محاولات أمريكية سابقة لم تكلل بالنجاح. ويعزو المفتي الأزمة إلى تمسك إثيوبيا بموقف ثابت منذ 2011، يقوم على اعتبار النيل الأزرق مياهًا إثيوبية خالصة، وأن سد النهضة مشروع سيادي ممول بمواردها الخاصة.
تباين المواقف بين الأطراف
تستمر إثيوبيا في رفض التوقيع على اتفاق دائم بشأن استخدام مياه النيل، مفضلة التفاوض على اتفاقيات جزئية ومرحلية. وتعتبر أديس أبابا أن مشروع الاتفاق المقترح من مصر والسودان قد يقلص حصتها المشروعة من المياه ويعرقل مشروعات البناء في منطقة المنبع.
من جهته، يرى الكاتب الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم أن التحركات الأمريكية لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، وأن نقل المفاوضات إلى واشنطن قد زاد من تعقيد الموقف. ويؤكد إبراهيم أن الخلافات تظل فنية في جوهرها، مع غياب صيغ توافقية نهائية.
وفي لقاء حديث، شدد الرئيس السيسي لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، على أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية وأولوية قصوى لمصر، لارتباطه المباشر بالأمن القومي. في المقابل، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية مصر الشهر الماضي بـ “محاولة احتكار مياه النيل” استنادًا إلى اتفاقيات “الحقبة الاستعمارية”، معتبرة أن القاهرة تسعى لزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
احتمالات التصعيد ومستقبل الدبلوماسية
تفتح رسالة ترامب الباب أمام تحرك دبلوماسي أمريكي جديد قد ينزع فتيل أي تصعيد محتمل. ومع ذلك، تبقى احتمالات التصعيد قائمة. يؤكد الدكتور مهران أن التحذيرات الأمريكية من التصعيد واقعية، مشددًا على أن القانون الدولي يعترف بحق الدول في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الوجودية. ويرى أن المياه بالنسبة لمصر ليست رفاهية بل قضية بقاء، وأن أي تهديد جسيم للأمن المائي قد يدفع القاهرة لاتخاذ إجراءات استثنائية، مع التأكيد على أن الخيار العسكري يجب أن يكون الملاذ الأخير لتجنب كارثة إقليمية.
في المقابل، يحذر أنور إبراهيم من أن التهديد باستخدام القوة لن يقدم حلولًا حقيقية، ويدعو إلى نهج أمريكي أكثر توازنًا ومرونة في التعامل مع الأطراف الثلاثة، مشيرًا إلى أن غياب هذا التوازن قد يعكس انحيازًا لطرف على حساب آخر.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









