يجد المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي في دافوس بسويسرا، الذي يجمع قادة العالم وكبريات الشركات، نفسه هذا العام في خضم أجواء غير مسبوقة من الترقب والاضطراب، ويعزى ذلك بشكل كبير إلى الحضور المرتقب للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فمشاركته من شأنها أن تضفي ديناميكية فريدة على النقاشات التي عادة ما تتمحور حول التعاون العالمي والاستقرار الاقتصادي.
حضور يثير الجدل: ترامب في دافوس
لطالما اتسم تاريخ ترامب مع دافوس بتفاعلات غير تقليدية. ففي العام الماضي، ألقى كلمة عبر اتصال مباشر من البيت الأبيض، بعد أيام قليلة من تنصيبه، مما ترك كبار التنفيذيين الأوروبيين في حيرة واضحة. تناولت تصريحاته طموحات إقليمية جريئة تجاه كندا وغرينلاند، تبعها إنذار صارم للمستوردين: إما إنشاء مصانع داخل الولايات المتحدة أو مواجهة رسوم جمركية قد تدر تريليونات الدولارات. هذا العام، من المتوقع أن يعزز حضوره الشخصي رسالة “فريق الولايات المتحدة”، لكنه يتزامن مع حالة من عدم اليقين العالمي الواسع، خاصة في أوروبا.
يُنظر إلى ترامب على نطاق واسع باعتباره عاملاً رئيسياً في الاضطراب الدولي. ومن المتوقع أن يواجه خلال المنتدى أسئلة وضغوطاً مباشرة من قادة الدول ورؤساء الشركات حول محاولاته ممارسة ضغوط اقتصادية على أوروبا لدفعها نحو قبول بيع غرينلاند.
“روح الحوار” في مواجهة التحديات الجيوسياسية
في حين أن شعار المنتدى لهذا العام، “روح الحوار”، يدعو إلى نقاشات تعاونية، تبدو العديد من جوانب نهج الإدارة الأمريكية الحالية متباينة بشكل حاد مع المبدأ الأساسي للتعاون العالمي الذي يميز دافوس.
غالباً ما ينظر أنصار شعار “اجعلوا أمريكا عظيمة مجدداً”، وهو القاعدة السياسية لترامب، إلى دافوس بعين الشك. وقد انتقد شخصيات مثل حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس علناً ما وصفه بـ”أجندة دافوس”، متعهداً بمواجهة “البنوك التقدمية” و”اللحوم المصنعة في المختبرات”.
هذا العام، تشير الدلائل إلى أن البيت الأبيض يسعى لتحويل تركيز المنتدى بعيداً عن قضاياه التقليدية المتعلقة بالبيئة والتنمية العالمية والأجندات “الاستيقاظية”، نحو التركيز بشكل أكبر على الملفات الاقتصادية الأكثر صرامة وعملية. وفي الوقت نفسه، يتم الضغط على كبرى الشركات الأمريكية للمساهمة في إنشاء ما أطلق عليه “بيت الولايات المتحدة” داخل كنيسة محلية، ليكون مساحة مخصصة للوفود للاحتفال بإنجازات أمريكية مثل كأس العالم والذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.
وسط تصاعد النزاعات العالمية حول الحدود والسيادة، من غرينلاند إلى كراكاس وصولاً إلى إقليم دونباس، فإن تجمع هذا العدد الكبير من قادة العالم يثير احتمال عقد لقاءات جانبية غير رسمية، تذكر بقمم تاريخية مثل يالطا.
تنوع الحضور وتصاعد القوى الاقتصادية
يستعد المنتدى لاستضافة مجموعة هائلة من الحضور، بما في ذلك معظم قادة مجموعة السبع، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى 65 رئيس دولة وحكومة، ونحو 850 من كبار الرؤساء التنفيذيين في العالم، فضلاً عن عشرات رواد التكنولوجيا.
سيصل الرئيس ترامب نفسه إلى جبال الألب السويسرية برفقة وفد كبير يضم خمسة من أعضاء حكومته، والعديد من مسؤولي إدارته، إلى جانب نخبة من كبار قادة الأعمال الأمريكيين، مثل جنسن هوانغ رئيس شركة إنفيديا، وساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت.
ومع ذلك، لا تُعد دافوس أرضاً ودودة بالكامل للرئيس الأمريكي. فإصراره على السعي لضم غرينلاند، أو حتى التلويح بغزوها، من غير المرجح أن يلقى ترحيباً إيجابياً لدى جمهور أوروبي واسع.
في المقابل، سيقدم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني رؤية لأمريكا الشمالية تتوافق بشكل أكبر مع تطلعات الأوروبيين. فبعد عام من الاضطرابات التجارية مع الولايات المتحدة، نجح كارني في قيادة اقتصاد كندا نحو النمو، مدعوماً بتوسيع شبكة الشراكات التجارية خارج واشنطن. وقد أكد ظهوره الأخير إلى جانب الرئيس الصيني شي جينبينغ، داعياً إلى نظام عالمي جديد يحمي التعددية، هذا النهج المتباين.
وستحضر الصين بدورها على مستوى وزراء المالية، مقدمة نفسها كقوة استقرار على الساحة الدولية. فبصفتها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصدر للسيارات حالياً، تبدو الصين وكأنها تراقب بصبر، متوقعة صعودها الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي التدريجي.
دافوس: نافذة على المستقبل الاقتصادي والتقني
بالنظر إلى المنتديات السابقة، بدأ حدث العام الماضي بسرد قوي عن التفوق التكنولوجي الأمريكي، ليُطغى عليه لاحقاً ظهور روبوت ذكاء اصطناعي صيني غامض يُدعى “ديب سيك”. وقبل عقد من الزمن، كانت دافوس هي المكان الذي سمع فيه الكثيرون لأول مرة عن الحوسبة الكمية. وفي العام الماضي، خرج العديد من جلسة حول بطاريات السيارات مقتنعين بأن شركات السيارات الأمريكية والأوروبية تواجه تحديات كبيرة في اللحاق بالتقدم التكنولوجي الصيني خلال هذا العقد.
على الرغم من الانتقادات التي يواجهها، يظل منتدى دافوس منصة قيمة لاستشراف الاتجاهات والتحولات المستقبلية في المشهد العالمي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









