عامل يسير بجانب مضخات نفط متوقفة في حقل نفطي بسوريا
الاقتصاد

سوريا: قطاع النفط والغاز على أعتاب مرحلة جديدة بعد استعادة الحكومة للسيطرة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تشهد سوريا تطورات مهمة في قطاع الطاقة، حيث أثارت استعادة الحكومة السورية السيطرة على حقول نفط وغاز رئيسية في شمال شرق البلاد، كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (SDF) المدعومة من الأكراد، آمالاً كبيرة في إنعاش قطاع الطاقة المتهالك بعد سنوات من الصراع والعقوبات الدولية.

استعادة السيطرة على حقول الطاقة الرئيسية

أعلنت السلطات السورية مؤخراً أن القوات الحكومية قد أحكمت سيطرتها على عدة حقول نفطية، أبرزها حقل العمر، الأكبر في سوريا، ومجمع كونكو للغاز، الواقعين في شمال وشمال شرق البلاد. جاء هذا الإعلان عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي بموجبه وافقت قوات سوريا الديمقراطية، التي تدربها الولايات المتحدة، على التخلي عن سيطرتها على محافظات دير الزور والرقة والحسكة.

تُعد هذه الخطوة لحظة محورية للاقتصاد السوري المتضرر من الحرب، إلا أن دمشق ستواجه تحديات جمة تتراوح بين البنية التحتية المتضررة ونقص الاستثمار المزمن، في سعيها لزيادة الإنتاج.

تحديات معقدة تنتظر القطاع النفطي

يؤكد خبراء الصناعة أن ترجمة استعادة السيادة على أصول النفط والغاز إلى تعافٍ في الإنتاج ستكون عملية تدريجية ومعقدة فنياً. وفي هذا السياق، صرح أحمد الضحيك، خبير النفط والغاز المقيم في قطر، لـ”الجزيرة” بأن “خزانات النفط عانت من الاستخراج غير المنظم وتلف المعدات، بينما تتطلب خطوط الأنابيب ومرافق المعالجة إعادة تأهيل واسعة النطاق”.

على النقيض، يعتبر الغاز أقل كثافة رأسمالية في استعادته ويرتبط مباشرة بتوليد الكهرباء، مما يجعله الأولوية الأكثر ترجيحاً للتعافي المبكر.

احتياطيات سوريا من الوقود الأحفوري وتراجع الإنتاج

تمتلك سوريا احتياطيات تقدر بنحو 2.5 مليار برميل من النفط و8.5 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ومع ذلك، شهد قطاع الطاقة في البلاد فوضى عارمة منذ اندلاع الحرب عام 2011.

قبل الحرب، لم تكن سوريا من بين أكبر منتجي الوقود الأحفوري عالمياً، إلا أن إنتاجها كان يغطي احتياجاتها المحلية من الطاقة ويوفر إيرادات كبيرة لخزينة الدولة، حيث كانت تنتج حوالي 380 ألف برميل من النفط وحوالي 25 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مما يمثل 20-25 بالمائة من إيرادات الدولة.

بحلول عام 2015، عندما كانت أجزاء واسعة من سوريا تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، انخفض الإنتاج إلى حوالي 40 ألف برميل يومياً، وفقاً لتحليل S&P Global Commodity Insights. واستمر التراجع بعد هزيمة داعش على يد قوات سوريا الديمقراطية، ليصل إلى ما بين 15 ألف و30 ألف برميل يومياً في عام 2019.

ترى كارول نخلة، الرئيسة التنفيذية لشركة Crystol Energy الاستشارية، أن “إعادة التأهيل والاستكشاف الجديد ممكنان، لكنهما سيتطلبان وقتاً، ويحتاجان إلى استقرار سياسي وإطار تنظيمي واضح”. وأضافت أن “سيطرة الحكومة قد تسمح بإعادة تأهيل أكثر تنسيقاً، لكن التقدم سيعتمد على الاستثمار والخبرة والوصول إلى الأسواق”.

آفاق الاستثمار الأجنبي

أثار رفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لمعظم العقوبات المفروضة على سوريا، استجابة لسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، آمالاً في تدفق الاستثمارات من الشركات الأجنبية التي لعبت دوراً محورياً في الإنتاج السوري قبل الحرب.

قبل النزاع، كانت شركة مشتركة بين الشركة السورية للنفط (SPC) وشركات شل البريطانية، وشركة البترول الوطنية الصينية، وشركة النفط والغاز الطبيعي الهندية، أكبر منتج للنفط في سوريا، حيث كانت مسؤولة عن أكثر من ربع الإنتاج.

وقد صرح يوسف قبلان، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط، مؤخراً أن شركة شل أبدت نيتها الانسحاب الكامل من حقل العمر، رغم أن الشركة البريطانية لم تعلق علناً على خططها. كما أشرفت شركات مثل توتال إنرجيز الفرنسية، وغلف ساندز بتروليوم البريطانية، وسينوكيم الصينية، وسنكور إنرجي الكندية، على مشاريع طاقة في سوريا قبل أن تجبرها العقوبات على وقف عملياتها.

وقد وقعت الشركة السورية للنفط في الأشهر الأخيرة عدداً من الاتفاقيات الأولية ومذكرات التفاهم مع شركات طاقة أجنبية، منها كونوكو فيليبس الأمريكية، ودانة غاز الإماراتية، والعربية للحفر السعودية، ويو سي سي القابضة القطرية.

وفي ديسمبر، أعلنت سوريا وتركيا المجاورة عن اتفاق لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك استعادة خط أنابيب الغاز الذي يربط حلب بمدينة كيليس التركية. كما التقى الرئيس السوري أحمد الشرع الشهر الماضي بممثلين عن شركة شيفرون ومقرها تكساس لمناقشة التعاون في تطوير احتياطيات الطاقة في البلاد.

لحظة سياسية واقتصادية محورية

يتوقع ديفيد باتر، المحلل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، أن تسعى شركة غلف ساندز البريطانية لاستئناف عملياتها المعلقة في حقول النفط بالبلوك 26 في الحسكة، بينما قد تكون الشركات المصرية مثل إنبي وبتروجيت مهتمة أيضاً بالاستثمار في القطاع.

وقال باتر لـ”الجزيرة”: “أتوقع أن تبحث حكومة دمشق عن استثمارات خاصة في البنية التحتية لحقول شرق دير الزور وأن تطرح مناقصات لبعض المشاريع المحددة”.

من جانبها، أشارت نخلة من Crystol Energy إلى أنه بينما قد تتمكن سوريا من جذب “مستثمرين أصغر وأكثر جرأة”، فإن الشركات الرائدة قد تتردد في الاستثمار بسبب عدم اليقين المحيط بالحوكمة والأوضاع الأمنية في البلاد، خاصة مع التقارير عن تجدد القتال بعد وقف إطلاق النار الأخير.

واختتمت نخلة بالقول: “باختصار، بينما يمتلك قطاع النفط والغاز السوري إمكانات، فإن إعادة بنائه ستكون بطيئة ومحفوفة بالمخاطر وتعتمد بشكل كبير على السياسات والظروف الأمنية والاستثمارية”.

أكد الضحيك أن استعادة الإنتاج السوري إلى مستويات ما قبل عام 2011 ستستغرق سنوات، حتى في ظل الظروف المواتية، مشدداً على أن “استعادة سيطرة الدولة على أصول النفط والغاز الرئيسية في سوريا هي لحظة سياسية واقتصادية محورية. ومع ذلك، لا يمكن للموارد الهيدروكربونية وحدها أن تدفع عجلة التعافي”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة