تحت أضواء بيفرلي هيلز المتلألئة، تتكشف حكاية مجتمع حمل معه جذوراً عميقة من إيران إلى قلب كاليفورنيا. إنها قصة يهود إيران الذين لم يسلكوا مجرد طريق بين دولتين، بل عبروا بين عالمين: إيران التي غادروها قسراً، والولايات المتحدة التي احتضنتهم وأسهمت في إعادة تشكيل هويتهم.
شهادة على الهجرة القسرية: قصة فريد ناصري
في أحد شوارع سان دييغو الهادئة، يقع متجر مجوهرات يحمل اسم “Unicorn” (وحيد القرن)، وهو اسم يحمل رمزية عميقة للنقاء والسحر والقوة، كما يشرح صاحبه فريد ناصري. ناصري، وهو يهودي إيراني هاجر إلى الولايات المتحدة في سن السادسة عشرة، يروي قصةً لا تزال جراحها بادية رغم سنوات الاستقرار. نشأ ناصري في مدينة إيرانية ذات أصولية دينية متجذرة، حيث واجه التمييز والاضطهاد منذ صغره. يتذكر حادثة مؤلمة في يوم شتوي، حيث تعرض للضرب بعد نزع غطاء الرأس الذي صنعته له والدته، مما دفعه لاتخاذ قرار الرحيل. لم يكن القرار سهلاً، فقد ترك خلفه عائلة ومنزلاً وذكريات، لكنه آمن بأن الحرية كانت أثمن من كل ذلك.
جذور تاريخية وتحولات ما بعد الثورة
تعود جذور يهود إيران إلى نحو 2700 عام، منذ المنفى البابلي، وقد تركز وجودهم في البداية بأصفهان قبل أن ينتشروا في مناطق أخرى، وفقاً للمؤرخ لورنس ستارنفيلد، المتخصص في تاريخ اليهود الفرس. كانت علاقتهم بالمجتمع الزرادشتي متقلبة، لكنها تحسنت بعد الفتح الإسلامي، حيث مُنحوا وضع “الأقلية الدينية المحمية”. ورغم اختلاف تجربتهم باختلاف المناطق والعصور، فقد برزوا كحراس للفنون واللغة والموسيقى الإيرانية، وهم الأقلية الدينية الوحيدة المعترف بها التي لا تنتمي إلى عرق غير فارسي. إلا أن اعتماد التشيّع دينًا للدولة بعد الثورة الإسلامية عام 1979 فرض قيودًا قانونية واجتماعية قلّصت من مكانة اليهود وسائر الأقليات.
قبل ثورة 1979، بلغ عدد اليهود في إيران حوالي 100 ألف نسمة. بعد الثورة، تراجع هذا العدد بشكل حاد إلى ما يقارب 8 إلى 10 آلاف حالياً، يتركز أكثر من نصفهم في طهران. ورغم هذا التقلص، لا تزال الجالية تمتلك مدارس ومطاعم ومؤسسات دينية واجتماعية، مما يجعل إيران أكبر تجمع لليهود في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. لكن الحياة بعد الثورة تغيرت جذرياً؛ فقد مُنع اليهود من تولي مناصب عليا في الدولة والجيش، وواجهوا قيوداً في التعليم والميراث وإدارة المدارس الخاصة، واضطروا إلى الفصل القسري بين هويتهم الدينية وإسرائيل، في ظل خطاب رسمي معادٍ للصهيونية.
حفظ الهوية في الشتات: شهادة جينا ناحاي
الروائية جينا ناحاي، التي هربت مع عائلتها من إيران بسبب ديانتهم اليهودية، تُعد صوتاً أدبياً فريداً وثّق تجربة اليهود الإيرانيين في الولايات المتحدة، خصوصاً في لوس أنجلوس. في لقاء ببيتها في بيفرلي هيلز، تؤكد ناحاي أن أربعين عاماً من الهجرة قد شكلت هويتهم الحقيقية. وتضيف أن أطفالهم الذين ولدوا في الولايات المتحدة ولم يروا إيران قط، لا يزالون يحملون شعوراً قوياً بالهوية الإيرانية، من خلال الاستماع إلى الأغاني الفارسية القديمة، والتحدث بالفارسية، والعيش في كنف الثقافة والطعام الإيراني. قرار الهجرة لم يكن مخططاً له، فقد فقدت عائلتها كل شيء في إيران، من أعمال ومنازل صودرت. شعرت ناحاي بخيانة وطنية ودينية، مؤكدة أن النظام انقلب ضد اليهود بفرض خطاب معادٍ للسامية، وأن العودة إلى طهران اليوم قد تعرضها للاعتقال أو القتل.
في الأشهر الأولى بعد الثورة، أُعدم رجل الأعمال اليهودي البارز حبيب القانيان، في رسالة سياسية واضحة فهمها اليهود جيداً: أن المكان الذي كان آمناً لم يعد كذلك. يؤكد فريد ناصري أن الجمهورية الإسلامية لم ترحب بغير المسلمين الشيعة، وأن العديد من اليهود أُعدموا أو سُجنوا.
صعود سياسي وتأثير مجتمعي في بيفرلي هيلز
مع مطلع الثمانينيات، استقبلت لوس أنجلوس أعداداً غير مسبوقة من الإيرانيين، واستقر اليهود الإيرانيون في مناطق مثل ويست وود وبيفرلي هيلز وسانتا مونيكا. لم يكتفوا بالنجاة، بل أعادوا بناء نفوذهم الاقتصادي والسياسي. في بيفرلي هيلز، تحولوا من أقلية إلى الكتلة التصويتية الأكثر تأثيراً. عام 2007، انتُخب جمشيد ديلشاد كأول يهودي إيراني يتولى منصب عمدة المدينة، مما شكل إعلاناً لتحول اللاجئين إلى قادة. اليوم، تجسد شارونا نازاريان هذا التحول، حيث وصلت إلى رئاسة بلدية بيفرلي هيلز كامرأة مهاجرة. تؤكد نازاريان أن تراثها منحها أساساً قوياً، وأن الجالية تسعى للحفاظ على ثقافتها واندماجها في المجتمع الأمريكي في آن واحد، معبرة عن امتنانها للعيش في الولايات المتحدة وقدرتها على احترام الثقافتين والاحتفال بهما.
الدين والثقافة: حصون الهوية
خلف النفوذ السياسي، يبرز الدين والثقافة كمحركين عميقين لحفظ الهوية. لم تكن المعابد مجرد أماكن عبادة، بل حصوناً لحماية الهوية. يشرح الحاخام ديفيد وولب، المسؤول عن معبد سيناي في لوس أنجلوس، كيف واجه اليهود في إيران “تمييزاً ثلاثياً”: كونهم يهوداً، إيرانيين، وملونين. معبد سيناي، الذي تأسس عام 1906، شكل جسراً لليهود الفرس، لكن الانصهار لم يكن سهلاً في البداية، بل كان مواجهة بين تحفظ طهران وليبرالية الولايات المتحدة. يروي وولب كيف قاوم الجيل الأول الذوبان، قبل أن تكسر العقود والزيجات المختلطة ذلك الحاجز. واليوم، تبرز هوية هجينة تتقن لغة السلطة والمال في كاليفورنيا، وتتمسك بلكنة الأجداد في الصلاة. يؤكد وولب على التأثير الكبير لهذه الجالية الصغيرة على ثقافة لوس أنجلوس والثقافة الأمريكية بشكل عام.
المطبخ والهوية المزدوجة للجيل الثالث
في لوس أنجلوس، لا تُحفظ التقاليد في الكتب فحسب، بل في المطبخ أيضاً. يعتبر الطعام “المعبد المنزلي”، حيث يتحول تحضير أطباق مثل “التاديغ” و”الغوندي” في المطاعم اليهودية الفارسية إلى فعل مقاومة ثقافية ضد الذوبان. يقول هومان يادكاريم، صاحب مطعم كباب شهير: “الطعام هو ما يجمعنا. هو تماماً مثل ما كانت تعدّه أمهاتنا وجداتنا”. أما الجيل الثالث، فيحمل هوية مزدوجة، كما يوضح إلياس يادكاريم: “لدي هويتان: يهودية وفارسية. هو شد وجذب… لكنه مزيج محظوظ”. ويعبر عن رغبته في زيارة المدن الإيرانية التي سمع عنها من عائلته، مثل شيراز وهمدان وأصفهان، معترفاً بأن الكثيرين لا يعرفون عنها سوى ما تروجه وسائل الإعلام عن الحرب.
خاتمة: بين الذاكرة والواقع
بينما تلمع أضواء بيفرلي هيلز، تُكتب حكاية أخرى في طهران وأصفهان وشيراز، حيث بقيت أقلية يهودية اختارت البقاء، تعيش توازناً قلقاً بين الانتماء والحذر. من إيران إلى لوس أنجلوس، لم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي، بل إعادة تعريف للهوية. من منفى قسري، وُلد حضور سياسي وثقافي فاعل. ويبقى حلم العودة معلقاً بين الذاكرة والواقع، شاهداً على صمود جالية نسجت هويتها بين وطنين.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








