يواجه لبنان اليوم واحداً من أخطر استحقاقاته السياسية والأمنية منذ سنوات، حيث لم تعد التهديدات بحرب جديدة مجرد تحذيرات دبلوماسية، بل تحولت إلى ضغط عسكري إسرائيلي متصاعد. يأتي ذلك في ظل استمرار ملف السلاح غير الشرعي دون حسم، وقناعة دولية راسخة بأن هذا الواقع يهدد الاستقرار الداخلي والإقليمي. في خضم هذا المناخ المشحون، أطلق رئيس الجمهورية، جوزاف عون، موقفاً غير مسبوق في حدته خلال مقابلة تلفزيونية، موجهاً رسالة مباشرة إلى حزب الله مفادها: “السلاح لم يعد مبرراً، والدولة وحدها المخوّلة حماية لبنان. لم تعد فئة من الشعب مضطرة لتحمل تبعات هذا السلاح”.
هذا التصريح أعاد فتح ملف شائك في الحياة السياسية اللبنانية، وطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب عجز رؤساء الجمهورية المتعاقبين عن وضع حدّ للسلاح غير الشرعي، وكيف أثر هذا السلاح على موقع الرئاسة، محولاً إياها من مرجعية دستورية تمسك بقرار الدولة إلى متلق للتسويات. كما يثير التساؤل حول تحول ميزان القوة، بدلاً من الدستور، ليصبح هو المحدد لحدود السلطة بين بعبدا (مقر القصر الجمهوري) وعين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب).
تراجع صلاحيات الرئاسة اللبنانية: من الطائف إلى هيمنة السلاح
قبل اتفاق الطائف عام 1989، كانت رئاسة الجمهورية تمثل محور السلطة التنفيذية في لبنان. تمتع الرئيس الماروني آنذاك بصلاحيات واسعة، شملت تسمية رئيس الحكومة وتعيين الوزراء وإقالتهم، وتوقيع مقررات مجلس الوزراء، والدعوة إلى جلسات استثنائية لمجلس النواب وحلّه بموافقة الحكومة، بالإضافة إلى اقتراح القوانين والتفاوض على المعاهدات الدولية وإبرامها. كما كان القائد الأعلى للقوات المسلحة بصورة مباشرة، مما منح المنصب ثقلاً سياسياً مركزياً.
غير أن اتفاق الطائف، الذي وُقّع في مدينة الطائف السعودية بين القوى اللبنانية وأنهى الحرب الأهلية، أعاد توزيع الصلاحيات وقلّص دور رئاسة الجمهورية بشكل جوهري. تحوّل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى موقع رمزي بعد إخضاع هذه القوات لسلطة مجلس الوزراء، ونُقلت السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً. كما تقلّصت صلاحيات الرئيس في مجالات التشريع والتعيين والتفاوض الدولي، لتصبح محكومة بآليات دستورية مشتركة، وفقاً للمواد 49 إلى 63 من الدستور اللبناني المعدّل.
لكن تراجع موقع الرئاسة لم يكن مجرد نص دستوري، بل كان أيضاً نتيجة لاختلال ميزان القوى الذي فرضه سلاح حزب الله وتحالفه مع حركة أمل، كما يشدد المحلل السياسي والمحامي أمين بشير. هذا الاختلال أعاد رسم خريطة النفوذ داخل الدولة، ومنح رئاسة مجلس النواب ثقلاً تجاوز حدودها الدستورية، في مقابل انحسار دور رئاسة الجمهورية. ويرى بشير أن هذا التحالف، المدعوم بقوة عسكرية خارج إطار الدولة، “حوّل البرلمان من سلطة تشريعية مستقلة إلى أداة تمرير وتعطيل وفق ميزان القوى، ما قيّد رئيس الجمهورية في ممارسة صلاحياته”.
ويوضح بشير أن إضعاف الرئاسة مرّ بمرحلتين: “الأولى مع كسر احتكار الدولة للقوة وظهور قوة عسكرية موازية لا بل تفوقها قوة، والثانية مع إرساء فيتو عسكري وسياسي فرضه حزب الله بالتضامن مع حركة أمل بشخص رئيسها، رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما مكّنهما من السيطرة على عمل البرلمان وما يصدر عنه”. ويضيف أن الحزب، بعد خروج القوات السورية عام 2005، “بدأ يمسك بمفاصل الدولة عبر البرلمان والحكومة، جامعاً حوله حلفاء من مختلف الطوائف في محاولة لإضفاء شرعية سياسية على قوته العسكرية”.
تحول مركز القرار: من بعبدا إلى الضاحية
في ظل تراجع دور المؤسسات وتنامي نفوذ القوى الموازية، لم تعد المواقع الرسمية وحدها محددة للقرار، بل أصبح ميزان القوة الفعلي مرتبطاً بالنفوذ العسكري والتحالفات الطائفية. في هذا الإطار، يرى المحلل السياسي جورج العاقوري أن “موقع رئاسة مجلس النواب، العائد عرفاً إلى الطائفة الشيعية، تحوّل إلى أداة لخدمة أجندة الثنائي، بحيث أصبح رئيس المجلس، رئيساً لحركة أمل وليس ممثلاً لكلّ الوطن، فالقرار السياسي خطف من بعبدا، لا إلى عين التينة، بل إلى مقار حركة أمل وضاحية حزب الله”.
ويستعرض العاقوري سلسلة ممارسات يعتبرها انتهاكاً للدستور، من تعطيل مجلس النواب والحكومات، إلى تجاوز النظام الداخلي للبرلمان والتحكم بعقد جلسات المجلس وتحديد جدول أعمالها.
هيمنة حزب الله على مفاصل الدولة
منذ توقيع ورقة تفاهم مار مخايل عام 2006 بين أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله والرئيس السابق للتيار الوطني الحر ميشال عون، أصبح مسار السلطة في لبنان رهينة اتفاق غير معلن، يضمن للحزب وصول حليفه إلى الرئاسة مقابل تعزيز هيمنته على مؤسسات الدولة. وقد شهد لبنان فترات فراغ رئاسي طويلة، أبرزها بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود في 2007، حيث تأخر انتخاب الرئيس ميشال سليمان حتى 2008، قبل أن يتكرر الفراغ بين عامي 2014 و2016 حتى انتخاب ميشال عون. وبعد انتهاء ولاية عون، بقيت الرئاسة شاغرة لحوالي سنتين ونصف بسبب إصرار الحزب على فرض مرشحه سليمان فرنجية. ومع تراجع نفوذ الحزب لاحقاً بسبب هزيمته أمام إسرائيل وتصاعد الضغوط الدولية، تم انتخاب جوزيف عون رئيساً في يناير 2025.
كما امتد نفوذ الحزب إلى الحكومة، حيث فرض منذ 2008 ما يعرف بـ”الثلث المعطل”، ما أتاح له تعطيل قرارات الحكومات أو إسقاطها وفق مصالحه. وقد كرّس عبارة “جيش شعب مقاومة” في بيانات الحكومة لإضفاء شرعية سياسية على سلاحه، قبل أن تتوقف هذه الصياغة في حكومة نواف سلام.
وتجسدت هذه الهيمنة بوضوح عام 2006، حين قدّم وزراء حزب الله وحركة أمل استقالتهم من حكومة فؤاد السنيورة لمنع تمرير مسودة المحكمة الدولية لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري. وبعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، عرقل الحزب جهود تشكيل حكومة مصطفى أديب، ثم استمر التعطيل عبر حليفه التيار الوطني الحر، ما دفع رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري إلى الاعتذار عن تشكيل حكومة في عام 2021 بعد محاولات دامت تسعة أشهر. وبعد أن شكّل نجيب ميقاتي حكومة عام 2021، عمد الحزب إلى تعطيل جلساتها على مدى ثلاثة أشهر ونصف بسبب مطالبته بتنحية المحقق العدلي في انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار.
ويشير العاقوري إلى محطات مفصلية أخرى في سياق هيمنة حزب الله، أبرزها طاولة الحوار الوطني عام 2006 التي أطلقت لمناقشة القضايا الخلافية الكبرى، خصوصاً الشغور الرئاسي وملف السلاح غير الشرعي والاستراتيجية الدفاعية وملف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري. “ورغم تطمينات أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله حينها بأن الصيف سيكون هادئاً، انتهى الوضع إلى جرّ لبنان إلى حرب يوليو 2006”. كما يشير إلى “انقلاب الحزب على إعلان بعبدا”، الوثيقة التوافقية التي أقرّت عام 2012 في عهد الرئيس ميشال سليمان بهدف تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، “حيث خرج رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد رافضاً الالتزام به”، لينخرط الحزب بعدها في الحرب السورية.
الجيش اللبناني: سلطة منقوصة في ظل واقع السلاح
منذ اتفاق الطائف، شكّل سلاح حزب الله أحد أعقد الملفات. فرغم النصّ على حلّ جميع الميليشيات، استثني الحزب تحت عنوان “المقاومة”. لكن مع انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، ثم حرب يوليو 2006، تصاعدت الضغوط الدولية، وصدر القرار 1701 الذي دعا إلى منطقة خالية من أي وجود مسلح بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، باستثناء الجيش اللبناني واليونيفيل، مشدداً على ضرورة تنفيذ القرار 1559 القاضي بنزع سلاح الميليشيات. ورغم ذلك، واصل حزب الله الاحتفاظ بترسانته العسكرية ضمن ما عُرف بـ”معادلة الردع”.
هذا الواقع انعكس مباشرة على الجيش اللبناني. فبحسب بشير، فإن وجود قوة عسكرية موازية جعل الجيش “منقوص القدرة والسيطرة”، وعاجزاً عن فرض سلطته على كامل الأراضي لعدم وجود توافق سياسي. أما العاقوري، فيشير إلى أن عدم تعاون حزب الله يعرقل مهام الجيش، موضحاً أن تسليم خرائط دقيقة للمخازن والأنفاق والقواعد كان من شأنه أن يسهّل انتشار الجيش جنوب وشمال الليطاني. ورغم ذلك، يؤكد قدرة الجيش على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ولو تطلّب الأمر وقتاً.
فرصة تاريخية لإعادة تفعيل دور الرئاسة؟
اليوم، وبعد الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل وتوقيع لبنان على اتفاق وقف إطلاق النار، بات هامش المناورة أضيق. فقد أقرت الحكومة اللبنانية، في أغسطس الماضي، قراراً يقضي بحصر سلاح حزب الله، استناداً إلى الاتفاق وخطاب القسم والبيان الوزاري، في محاولة لتفادي حرب جديدة وفتح الباب أمام الدعم الدولي وإعادة الإعمار.
ويرى محللون أن هذا الملف يفتح نافذة سياسية أمام الرئيس جوزاف عون لإعادة رئاسة الجمهورية إلى قلب القرار الوطني، وتحويلها من موقع رمزي إلى لاعب فاعل. ويشدد المحلل السياسي إلياس الزغبي على أن دور الرئيس في حلّ مشكلة السلاح غير الشرعي “هو دور محوري، ليس فقط بفعل كونه القائد الأعلى للقوات المسلّحة وفقا للدستور، بل أيضاً بفعل الثقة الشعبية والسياسية التي لا يزال يتمتع بها منذ انتخابه في مطلع العام الفائت”.
لهجة حاسمة ورسائل متعددة
تعد مقاربة الرئيس جوزاف عون لسلاح حزب الله خلال مقابلته التلفزيونية الأخيرة “أكثر تقدماً وحسماً من اللغة السابقة التي كان يستخدمها خلال مراحل حواره مع الحزب”، كما يقول الزغبي. ويضيف: “لكنها جاءت في السياق نفسه لخطاب القسم في مسألة حصر السلاح، والفارق أنه سمّى المشكلة باسمها حول انتهاء دور السلاح وتحوّله إلى عبء على بيئته نفسها وعلى لبنان”.
في المقابل، يشدد النائب السابق فارس سعيد على أن الرئيس لا يسعى إلى تعديل اتفاق الطائف أو وظائف الرئاسات، بل يتحرّك ضمن إطار دستوري واضح ينص على حصرية السلاح بيد الدولة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









