ليلة "فك العقدة" في الرباط: كيف حوّل الركراكي "التعادل الخادع" إلى انتصار تاريخي بقفاز بونو؟
الرياضةرياضة

ليلة “فك العقدة” في الرباط: كيف حوّل الركراكي “التعادل الخادع” إلى انتصار تاريخي بقفاز بونو؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

الرباط

– خاص

لم تكن مجرد 120 دقيقة من كرة القدم، بل كانت معركة استنزاف ذهني وبدني حبست أنفاس الملايين. الركراكي يعيد المنتخب المغربي لنهائي كأس أمم إفريقيا لأول مرة منذ ملحمة 2004، قاهرًا “النسور” النيجيرية بركلات الترجيح (4-2) بعد تعادل سلبي “كاذب” لم يعكس حجم السيطرة الميدانية لأسود الأطلس.

في هذا التحليل، نغوص في عمق المباراة لنقرأ ما خلف الأرقام، وكيف أدار وليد الركراكي معركة “تكسير العظام” ضد تكتل نيجيري صلب.

1. وهم الاستحواذ وحقيقة “القصف” المغربي

للوهلة الأولى، قد تبدو إحصائية الاستحواذ (51% لنيجيريا مقابل 49% للمغرب) صادمة للبعض، وتوحي بأن نيجيريا كانت المتحكمة. لكن القراءة التكتيكية لهذا الرقم تكشف الحقيقة: نيجيريا امتلكت الكرة في مناطق “ميتة”، بينما امتلك المغرب الخطورة.

القصة الحقيقية ترويها إحصائية التسديدات المرعبة: 16 تسديدة للمغرب مقابل تسديدتين فقط لنيجيريا طوال 120 دقيقة! هذا التفاوت الهائل (نسبة 8 إلى 1) يؤكد أن المنتخب المغربي فرض حصاراً خانقاً، بينما اختار المدرب النيجيري “ركن الحافلة” والاكتفاء بتدوير الكرة السلبي لقتل إيقاع الأسود.

2. معضلة “اللمسة الأخيرة” وتألق نوابالي

رغم السيطرة، عانى المغرب من انخفاض مؤشر الأهداف المتوقعة (xG) الذي وقف عند 0.55 فقط. هذا الرقم المنخفض مقارنة بـ 16 تسديدة يشير إلى مشكلتين واجههما الهجوم المغربي:

  1. صلابة الدفاع النيجيري: أجبر الزملاء حكيمي والزلزولي على التسديد من وضعيات صعبة أو بعيدة.

  2. العامل البشري (نوابالي): حارس نيجيريا كان السد المنيع الذي أبقى فريقه في المباراة، متصدياً لكرات حاسمة، أبرزها تسديدة الزلزولي الصاروخية ورأسية الكعبي التي مرت بمحاذاة القائم.

3. الشوط الثاني: الجدل التحكيمي وتغييرات الركراكي الجريئة

شهدت الدقيقة 75 منعرجاً درامياً بمطالبة حكيمي بركلة جزاء بعد لمسة يد واضحة من كالفن باسي، قرار الحكم باستمرار اللعب زاد من حدة التوتر. هنا ظهرت قراءة الركراكي للملعب. ومع تراجع نيجيريا الكلي، قام بمغامرة تكتيكية بإخراج المهاجم الصريح (الكعبي) وإقحام أسامة ترغالين، ثم سحب صانع الألعاب (الخنوس) ليدفع بحمزة إيكامان (الذي أهدر ركلة ترجيح لاحقاً لكنه نشط الهجوم). هذه التغييرات هدفت لزيادة الكثافة في الوسط وخلق مساحات للقادمين من الخلف، وهو ما نجح نسبياً في خنق نيجيريا في ثلث ملعبها الأخير، بدليل حصول المغرب على 5 ركنيات مقابل واحدة للخصم.

4. الأشواط الإضافية: الخوف من “الضربة القاضية”

في الشوطين الإضافيين، تحولت المباراة إلى صراع بدني. نيجيريا، التي لم تسدد سوى كرة واحدة مؤطرة طوال المباراة، حاولت خطف اللقاء عبر الكرات الثابتة (ركلة تشوكويزي الحرة في الدقيقة 115). التبديلات المتأخرة (دخول بن سيغير للمغرب وبول أونواتشو لنيجيريا) كانت إشارات واضحة: المدربان يجهزان أوراقهما لركلات الترجيح. المغرب كان الطرف الأفضل، لكن الإرهاق الذهني حال دون ترجمة السيطرة لأهداف.

5. ركلات الترجيح: بونو.. “الوحش” الذي يبتلع الخصوم

عندما اتجهت المباراة لركلات الحظ، كانت الثقة تميل للمعسكر المغربي لسبب واحد: ياسين بونو. حارس الهلال السعودي أكد مقولة الركراكي بعد المباراة (“إنه أحد أفضل حراس العالم”). بونو لم يكتفِ بالتواجد، بل فرض هيبته النفسية:

  • التصدي الأول: أمام صامويل تشوكويزي، نجم ميلان، قرأ بونو الزاوية ببراعة.

  • التصدي الثاني: أمام برونو أونيمايشي، طار بونو ليقتل أحلام النسور نهائياً. رغم إهدار حمزة إيكامان، إلا أن ثبات نيل العيناوي، إلياس بن سيغير، القائد حكيمي، وأخيراً “الجلاد” يوسف النصيري، منح المغرب بطاقة العبور المستحقة (4-2).

6. الخاتمة وما بعد الإنجاز

تصريح بونو بعد اللقاء: “أشعر بطمأنينة كبيرة بوجود حكيمي وأكرد وماسينا أمامي”، يعكس سر قوة هذا الجيل: التلاحم. المغرب لم يتأهل بالحظ، بل بمنظومة دفاعية حديدية (صفر أهداف مستقبلة، صفر بطاقات صفراء للمغرب مقابل 2 لنيجيريا)، وهجوم خلق 16 فرصة.

الآن، ضرب الأسود موعداً نارياً في النهائي الحلم ضد السنغال. نهائي سيجمع بين أقوى خطي دفاع في البطولة، وبين زملاء الأمس (ماني ورونالدو في النصر، بونو ونيمار في الهلال.. الخ). لكن الأكيد، أن المغرب بهذه الشخصية وبهذا الحارس، بات أقرب من أي وقت مضى لمعانقة الذهب الإفريقي الغائب منذ 1976.

الرباط لم تنم الليلة.. والحلم بات على بعد خطوة.

حصة