تراقب دول مجلس التعاون الخليجي عن كثب التطورات الجارية في إيران، مع تصاعد المخاوف من تداعيات أي تصعيد محتمل قد يزعزع الاستقرار الأمني في المنطقة بأسرها. هذا القلق المشترك دفع عدداً من الدول الخليجية إلى التعبير عن مواقف رسمية وشعبية تعكس حجم الترقب والتحذير من سيناريوهات قد تكون كارثية.
الموقف الخليجي الرسمي: دعوات للتهدئة ورفض للتدخل العسكري
كانت قطر أول من عبر عن موقف خليجي رسمي، حيث أكد المتحدث باسم وزارة خارجيتها، ماجد الأنصاري، في 13 يناير الجاري، أن أي انزلاق نحو التصعيد سيخلف تداعيات وخيمة تتجاوز حدود الإقليم. وأوضح الأنصاري أن الدوحة منخرطة في قنوات تواصل نشطة مع الأطراف المعنية، بما في ذلك دول الجوار، بهدف احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
يتناغم هذا الموقف القطري مع ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” في اليوم ذاته، حيث أشارت إلى أن المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عمان أبلغت البيت الأبيض صراحةً معارضتها لأي عمل عسكري ضد إيران. وحذرت هذه الدول من أن توجيه ضربة عسكرية لطهران سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، ويهدد أمن أسواق الطاقة العالمية، ويخلف ارتدادات خطيرة على الاقتصاد العالمي. كما أكدت السعودية رسمياً أنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ أي ضربات ضد إيران.
قراءات وتحليلات خليجية للأحداث
تتجاوز المواقف الرسمية لتشمل المزاج العام في دول الخليج، حيث تتزايد التساؤلات الشعبية وعبر منصات التواصل الاجتماعي حول ما إذا كان سقوط النظام الإيراني أو اندلاع حرب واسعة سيخدم مصالح دول مجلس التعاون وشعوبها أم يضر بها.
في هذا السياق، قدم عدد من الكتاب والمحللين الخليجيين قراءات متباينة للأحداث:
- محمد الرطيان (كاتب سعودي): دعا إلى تجاوز سؤال “هل سيسقط النظام الإيراني؟” إلى “متى يسقط؟ كيف يسقط؟ من البديل؟ وما حجم الفوضى التي سينتجها غبار سقوطه؟”، مؤكداً ضرورة استعداد الخليج العربي للقادم.
- عبد الغفار حسين (كاتب إماراتي): حذر من تداعيات أي مواجهة عسكرية، داعياً الدول الخليجية إلى التزام الحياد، ومذكراً بحكمة المثل الشعبي: “إذا احترق جارك حريقك قريب”.
- ضاحي خلفان (نائب رئيس شرطة دبي): ربط الاحتجاجات بانشغال الحكومة الإيرانية بالحروب وإنفاق المليارات عليها، بينما شعبها في أمس الحاجة لمواجهة متطلبات الحياة المعيشية، مشيراً إلى أن “ملالي إيران انشغلوا بتصدير الثورة، وفي نهاية المطاف يثور الشعب عليهم”.
هواجس استراتيجية وسيناريوهات المستقبل
في سياق النقاش حول السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران، يشير الباحث الاستراتيجي محمد إبراهيم، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن أبرز مخاطر انهيار النظام تتمثل في احتمال نشوء فراغ أمني واسع. هذا الفراغ قد يستدعي تدخلاً متزايداً من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا، مما يحول منطقة الخليج إلى ساحة تنافس دولي حاد ومفتوح. كما يحذر إبراهيم من أن تفكك مؤسسات الدولة الإيرانية، بما فيها الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية، قد يؤدي إلى فوضى أمنية عابرة للحدود، تترافق مع انتشار السلاح وتنامي نفوذ الميليشيات الإقليمية.
في المقابل، يقدم الأكاديمي القطري علي الهيل قراءة مختلفة، حيث يرى، في حديث لـ”الحرة”، أن حجم الاحتجاجات لا يمكن اعتباره مؤشراً حاسماً عند مقارنته بعدد سكان إيران. ويشكك الهيل في دلالة إسقاط صور بعض الرموز كقاسم سليماني كدليل على انتفاضة شعبية شاملة، مشيراً إلى احتمال وجود عناصر مندسة، دون أن يتبنى الرواية الرسمية الإيرانية.
التصعيد الأمريكي وتداعياته المحتملة
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه حكومة طهران بشكل غير مسبوق، موجهاً رسالة علنية عبر منصة “تروث سوشيال” دعا فيها الإيرانيين إلى مواصلة الاحتجاجات، وتذكر أسماء من يرتكبون انتهاكات بحقهم، مؤكداً أن المساعدة في الطريق. هذا الخطاب يتجاوز حدود الضغط السياسي التقليدي، ويعكس انتقالاً نحو تصعيد اللهجة، مما يعزز احتمال اقتراب المنطقة من سيناريو المواجهة بكل ما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية واسعة.
لذلك، يرى إبراهيم أن التطورات في إيران وردود الفعل الدولية تستدعي “رفع مستويات التأهب الأمني وزيادة المخصصات المالية لقطاعي الأمن والدفاع” في دول الخليج. وعلى الصعيد السياسي، يلفت إلى أن سقوط النظام الإيراني، إن حدث، سيفتح باب مرحلة معقدة تتطلب إعادة تعريف طبيعة العلاقة مع “إيران الجديدة”.
ولا يستبعد الهيل تعرض دول الخليج لضغوط دولية للمشاركة في جهود إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية الإيرانية، إلى جانب الانخراط في ترتيبات أمنية إقليمية جديدة قد يعاد تشكيلها في ظل موازين قوى مختلفة. أما على الصعيد الاجتماعي، فيحذر من احتمالات تصاعد التوترات ذات الطابع الطائفي، خاصة في الدول التي تتميز بتنوع مذهبي، بالإضافة إلى احتمال حدوث موجات لجوء محدودة، مما قد يفرض تحديات أمنية وإنسانية إضافية على دول الخليج.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق