شهدت منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا تحولات دبلوماسية واقتصادية لافتة، أبرزها التقارب المتنامي بين القاهرة ودمشق وأنقرة، والذي بدأ يرسم ملامح “ترويكا” إقليمية جديدة. هذا التطور يأتي في سياق ديناميكيات معقدة، مدفوعة بمصالح استراتيجية مشتركة ومخاوف إقليمية متزايدة.
تطور العلاقات المصرية-السورية: من الفتور إلى الشراكة
منذ تولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد الحكم في سوريا في يناير 2025، اتسمت العلاقات المصرية-السورية بحالة من الحذر والترقب. ركزت القاهرة في البداية على التفاهمات الأمنية لضمان استقرار سوريا في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة، دون تجاوز هذا الإطار غالبًا. إلا أن زيارة وفد اقتصادي مصري رفيع المستوى إلى دمشق مؤخرًا، ومشاركته في استعراض مشروعات إعادة الإعمار، مثلت نقطة تحول نوعية. وخلال استقباله للوفد، شدد الرئيس الشرع على أن العلاقات بين البلدين “واجب وليست ترفًا”، داعيًا إلى وضعها في “مسارها الصحيح”، ومؤكدًا أولوية الشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار السورية.
الدور التركي المحوري في المشهد الإقليمي
لا يمكن إغفال الدور التركي المحوري في هذه الديناميكية. فأنقرة، التي تُعد صاحبة نفوذ كبير في الحفاظ على الأمن السوري، سعت منذ البداية إلى تقريب وجهات النظر بين دمشق والدول الخليجية والولايات المتحدة. كما دفعت باتجاه تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، مما مهد الطريق لإعادة دمج سوريا في النظام الدولي.
رؤى الخبراء: من الأيديولوجيا إلى “عقل الدولة”
يُعلق الدكتور شاهر الشاهر، أستاذ العلاقات الدولية السوري، على هذه التطورات بأنها تعكس تراجع العامل الأيديولوجي لصالح حسابات “عقل الدولة” السياسية والاستراتيجية. ويشير إلى أن العلاقات بين القاهرة ودمشق وصلت إلى مرحلة الشراكات الاقتصادية، بدعم تركي واضح امتد ليشمل ملفات إقليمية أخرى مثل السودان وليبيا وقطاع غزة، مدفوعًا بمخاوف مشتركة من “السياسات الإسرائيلية المتحررة وغير المنضبطة”.
من جانبه، يرى الكاتب التركي الدكتور يوسف كاتب أوغلو أن سوريا تمثل “نقطة جذب استراتيجية مشتركة لكل من أنقرة والقاهرة”، مع دور تركي محوري في تأمين الأمن، وفتح مسارات الاستثمار، وتخفيف العقوبات، ودعم إعادة الإعمار في قطاعات حيوية كالطاقة والبنية التحتية والنسيج. ويؤكد أوغلو أن زيارة الوفد المصري إلى دمشق عززت هذا التقارب، حيث تسعى القاهرة وأنقرة لدعم العودة الطوعية للاجئين السوريين وتعزيز نموذج اقتصادي يعتمد على شراكة القطاع الخاص.
تنسيق مصري-تركي حول الملف السوري
منذ عام 2022، شهدت العلاقات المصرية-التركية تقاربًا ملحوظًا، تجلى في لقاءات واتصالات بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان. وقد شدد الزعيمان على ضرورة الحفاظ على وحدة واستقلال سوريا، وتدشين عملية سياسية شاملة تضم كافة الأطياف لضمان مصالحة وطنية ناجحة.
ويوضح الباحث السياسي المصري بشير عبد الفتاح أن القاهرة وأنقرة، بعد استعادة علاقاتهما، دشّنتا مرحلة جديدة من التفاهم والتنسيق في الملفات الإقليمية، خاصة في مواجهة تهديد وحدة الأراضي العربية. ويتم ذلك من خلال دعم استقرار سوريا، ومنع التدخلات الخارجية، ومحاولة إخراج دمشق من مأزق الانسداد السياسي والأمني. وقد أكد الرئيس السوري، خلال لقائه الوفد المصري، أن التكامل السوري-المصري أساسي لاستقرار المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا واستراتيجيًا، معتبرًا أن نجاح هذا التقارب “يقوّي الأمة العربية بأكملها ويعزز من قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة”.
الأبعاد الاقتصادية والأمنية للتقارب
يشير الدكتور الشاهر إلى أن سوريا تمثل منطقة عبور استراتيجية لخطوط النفط والغاز، مما يجعل استقرارها هدفًا مشتركًا لمصر وتركيا. فمصر تسعى لتكون مركزًا إقليميًا لتسييل وبيع الغاز، بينما ترى تركيا في سوريا ممرًا محتملًا لعبور الغاز القطري إلى أوروبا. كما يشكل أمن البحر الأبيض المتوسط هاجسًا مشتركًا للدول الثلاث.
ويضيف الشاهر أن التقارب التركي-المصري مع السعودية يعزز فرص بناء تحالف إقليمي أوسع قد يضم مصر وتركيا، وربما سوريا لاحقًا، لإيجاد توازن إقليمي يحافظ على الأمن والاستقرار.
مواجهة التحديات المشتركة
انضمت سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الذي كانت مصر وتركيا قد سبقتاها إليه، مما يضع الدول الثلاث ضمن محور واحد لمواجهة عدو مشترك. كما قوبل إدراج جماعة “الإخوان المسلمين” على لوائح الإرهاب الأميركية بارتياح مصري وسوري، خاصة وأن دمشق كانت قد طالبت هذه الجماعة بحل نفسها. ويرى الشاهر أن التوظيف السياسي التركي لهذا التنظيم يشهد تراجعًا كبيرًا، مما يمهد لتقارب أكبر بين هذه الدول.
الآفاق المستقبلية: تفاهمات لا تحالفات كاملة
على الرغم من هذه المتغيرات الإيجابية، يوضح بشير عبد الفتاح أنه لا يمكن الحديث حاليًا عن تحالف مصري-تركي مكتمل، بل عن تفاهمات وتنسيق محدودين يراعي كل طرف فيه مصالحه دون الإضرار بمصالح الآخر. ويشدد على الحرص المشترك على دعم مسار تعافي سوريا السياسي والاقتصادي، واحترام وحدتها وسيادتها. هذه التطورات تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين دمشق والقاهرة وأنقرة، لكن تحويل هذه التفاهمات إلى شراكات استراتيجية وتحالف سياسي وعسكري ما يزال هدفًا بعيد المنال في الوقت الراهن.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







