في حلقة مثيرة للجدل على منصات “الحرة”، تناول الكاتب والصحافي المصري إبراهيم عيسى إحدى أبرز القضايا الفكرية المعاصرة: “ماذا نفعل بالتراث الديني؟”. يقدم عيسى تحليلاً معمقاً للتيارات المختلفة التي تتناول هذا التراث، مستعرضاً رؤيته الخاصة التي تدعو إلى مقاربة نقدية متجددة، بعيداً عن التقديس المطلق أو الإزاحة التامة.
ثلاث رؤى للتعامل مع التراث الديني
يتجلى الجدل حول التراث الديني في ثلاث مقاربات رئيسية:
- الحفاظ والتقديس: يرى هذا الاتجاه، الذي يمثله السلفيون والتقليديون، أن التراث الديني جزء لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية العظيمة، بل هو جوهرها، ويجب الحفاظ عليه وتبنيه كما هو دون مساس أو تغيير، معتبراً إياه مقدساً يجب التعامل معه حرفياً.
- الإزاحة الكاملة: على النقيض، يدعو تيار آخر، يصفه عيسى بـ”الثوري” في مفهومه للدين والتجديد، إلى إزاحة التراث بالكامل، معتبراً إياه عائقاً كبيراً أمام التقدم والتجديد الفكري والفقهي، وأن التخلص من عبئه هو السبيل الوحيد لإنقاذ مستقبل الأمة وحاضرها.
- القراءة النقدية والتجديد: يقترح الاتجاه الثالث، الذي يميل إليه إبراهيم عيسى ويصفه بـ”التوفيقي” (وإن اتهمه البعض بـ”التلفيقي”)، مقاربة تجمع بين الأمرين. فهو يدعو إلى قراءة التراث ودراسته واحترامه، لكن دون تقديس أو تمجيد أو تعظيم. الهدف هو استخلاص الأفكار المتجددة والإصلاحية التي تزيل الجوانب المظلمة والمعتمة، مع الحفاظ على التراث كقيمة تاريخية وإنسانية.
التراث والدين: تمييز جوهري
يطرح عيسى سؤالاً محورياً: ما هو التراث أصلاً؟ ويستعرض رأي الشيخ ابن باز، شيخ السلفية الوهابية، الذي اعتبر القرآن والسنة النبوية جزءاً من التراث الإسلامي، مستدلاً بالآية الكريمة: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا”.
لكن عيسى يخالف هذا الرأي بشدة، مؤكداً أن الكتاب المنزل، القرآن الكريم، هو نص إلهي مقدس، ولا يمكن اعتباره تراثاً. فالتراث، في رؤيته، هو كل ما تعلق بهذا الكتاب من مفاهيم وتفسيرات واجتهادات بشرية كالتفسير والحديث والفقه، وهو نتاج الأجيال التي أنتجته أو دونته. ويشدد على أن هذا التراث البشري ليس هو “الدين” ذاته، بل هو “مفهوم هذه الأجيال عن الدين”. من هنا، يرى عيسى أن النظرية التوفيقية هي الأنسب، لأنها تستخلص من التراث ما هو أثمن وأفضل وأوفق مع القرآن والعقل والعصر، لإنتاج تراث جديد يواكب العصر.
نظرية “النمل والنحل”: مقاربة للتجديد
يستعير إبراهيم عيسى من الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه “قيم تراثنا” نظرية “النمل والنحل” لشرح كيفية التعامل مع التراث:
- طريقة النمل: تمثل النملة التي تنقل قطعة السكر دون تغييرها. هذه هي مقاربة السلفيين الذين يحملون التراث كما هو دون إحداث أي تحويل أو تجديد فيه.
- طريقة النحل: تمثل النحلة التي تذهب إلى الأزهار وتستخلص منها الرحيق لتنتج العسل. هذه هي المقاربة التي يدعو إليها عيسى، حيث يجب أن نتعامل مع التراث كمنجم نستخلص منه الجواهر الثمينة وننتج منها أفكاراً جديدة ومغايرة، بدلاً من نقله بحرفية.
مخاطر “تقديس” التراث و”تنقيحه”
يحذر عيسى من تحويل التراث إلى مرجعية مطلقة ومقدسة لمجرد قدمه، فكثير من المكتوب قد يكون متخلفاً أو مظلماً ولا يستحق التقدير، بل قد يجب نبذه. كما ينتقد فكرة “تنقية التراث” بحذف ما لا يعجبنا منه، كما حدث في بعض المؤسسات الدينية بمصر استجابة لدعوات تجديد الخطاب الديني، حيث تم حذف فتاوى “غرائبية”. يرى عيسى أن هذا ليس تجديداً، بل تزييفاً، وأن التراث يجب أن يبقى كوثيقة تاريخية كاملة، مع مناقشة أفكاره ونقد ما لا يتفق مع العقل والقرآن.
ويشير إلى وجود “تنقية عكسية” خطيرة، مثل حذف الجوانب المستنيرة من كتب ابن تيمية عند إعادة طبعها من قبل السلفيين الوهابيين، لتعميم نسخة معينة منه. يؤكد عيسى على ضرورة الحفاظ على النص الأصلي كوثيقة تاريخية، مع القدرة على نقده وتجاوز أفكاره المظلمة.
الخطر الأكبر يكمن في الخلط بين الديني والتاريخي؛ فالقرآن هو المنتج الإلهي الوحيد، أما تفسيراته واجتهادات الفقهاء فهي منتج بشري، والإلزام يكون بالآية القرآنية لا بالتفسير البشري.
“المثلث الأسود”: من تمجيد الماضي إلى الإرهاب
يكشف عيسى عن ما يسميه “المثلث الأسود”، وهو نتاج تقديس التراث وتاريخه، ويتكون من ثلاثة أضلاع معتمة:
- الماضي الذهبي المزعوم: الاعتقاد بأن الماضي كان عظيماً ومجيداً ونقياً ومثالياً، وهو ماضٍ “ذهبي”. ينفي عيسى هذه الرؤية، مؤكداً أن الماضي كان بشرياً يحمل جوانب مشرقة ومظلمة ودموية.
- ضرورة العودة إلى الماضي: إذا كان الماضي عظيماً، فلا بد أن يعود. هذه هي فكرة “السلفية” التي تدعو للعودة إلى “السلف الأول”، متجاهلة الصراعات والفتن والمذابح التي شهدتها تلك العصور، مثل مذبحة البرامكة وكربلاء واستباحة المدينة المنورة.
- العودة بالقوة: إذا كان الماضي العظيم يجب أن يعود، فإنه يجب أن يعود “ولو بالقوة”. هنا يظهر الإرهاب، الذي ينبع من تمجيد أئمة وفقهاء وعصور الغزوات والاحتلال التي سميت “فتحاً”، والتي كانت تعتمد على القوة العسكرية.
هذه الكارثة السوداء، في رأي عيسى، هي تقديم التراث كشيء مقدس بكل فروعه وتفاصيله، مما يؤدي إلى التجمد الفكري وتمني العودة إلى أفكار قديمة قد تكون هدامة.
نحو مقاربة نقدية متجددة
يقدم إبراهيم عيسى حلاً لهذه المعضلة، يدعو فيه إلى العودة للتراث بهدف قراءته وتمييز ما فيه من ضوء وعتمة، وتحديد ما يناسب العصر وما لا علاقة له به. فالتراث هو فعل إنساني يجب احترام الاجتهاد البشري فيه، لكنه لا يرقى لمستوى القرآن والعقل.
يجب علينا، وفقاً لعيسى، أن ننتج مشروعنا الجديد الذي يطور ويقدم، مستفيدين من التراث “المنير” كخلفية، وحتى التراث “المظلم” يجب أن يكون حاضراً في رؤيتنا لتجنبه وتجاوزه ونقضه. فالسؤال ليس في العودة للتراث، بل في كيفية هذه العودة: هل بطريقة النمل أم النحل؟ بالنسبة لإبراهيم عيسى، الجواب واضح: “إنه النحل يا عزيزي”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا
























