تشهد إيران، منذ أكثر من أسبوعين، موجة من الاحتجاجات الشعبية التي تمثل تحديًا كبيرًا لشرعية الحكم الديني في البلاد. وفي ظل هذه التطورات، حذر نائب في البرلمان الإيراني من تصاعد الاضطرابات ما لم تستجب الحكومة لمطالب المواطنين ومعالجة مظالمهم المتراكمة.
دعوات برلمانية لمعالجة جذور الأزمة
أكد النائب محمد رضا صباغيان، ممثل عدة مقاطعات في محافظة يزد بوسط البلاد، خلال جلسة برلمانية، على ضرورة استيعاب استياء الشارع. وصرح صباغيان قائلاً: “يجب ألا ننسى نقطة واحدة: الناس لديهم استياء وعلى المسؤولين في الحكومة والبرلمان حلها، وإلا فإن نفس الأحداث ستتكرر بكثافة أكبر”. تأتي هذه التحذيرات في وقت ردت فيه الحكومة على المظاهرات، التي اندلعت بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، بحملة قمع واسعة النطاق. وتشير تقارير جماعات حقوقية إلى سقوط مئات القتلى واعتقال الآلاف جراء هذه الحملة.
تصعيد الضغوط الأمريكية: رسوم جمركية جديدة
في تطور يضيف مزيدًا من التعقيد للمشهد الإيراني، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على الصادرات إلى الولايات المتحدة من أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، التي تُعد مصدرًا رئيسيًا للنفط. هذا القرار، الذي صدر في وقت متأخر من مساء أمس، يهدف إلى زيادة الضغط على طهران في ظل مواجهتها لأحد أكبر التحديات الداخلية منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
موقف طهران: قنوات اتصال مفتوحة ومحاولات لاحتواء الغضب
لم يصدر رد فعل إيراني رسمي فوري على إعلان ترامب بشأن الرسوم الجمركية، إلا أن الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني، سارعت بانتقاده. من جانبها، أكدت السلطات الإيرانية أنها تُبقي قنوات الاتصال مع واشنطن مفتوحة، في الوقت الذي يدرس فيه ترامب خيارات الرد على حملة طهران ضد الاحتجاجات، بما في ذلك التهديد بعمل عسكري محتمل. وصرحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، في مؤتمر صحفي: “من واجبنا إجراء حوار، وسنفعل ذلك بالتأكيد”. وأضافت أن الرئيس مسعود بزشكيان أمر بتشكيل ورش عمل تضم علماء اجتماع بهدف فهم الأسباب الكامنة وراء غضب الشباب. وشددت مهاجراني على أن الحكومة تعتبر “المدافعين (قوات الأمن) والمحتجين أبناءها”، مؤكدة على سعي الحكومة للاستماع إلى أصواتهم، حتى وإن حاول البعض “مصادرة” هذه الاحتجاجات.
جذور الاحتجاجات وتحديات المعارضة
انطلقت شرارة الاحتجاجات في 28 ديسمبر كانون الأول الماضي، مدفوعة بتدهور قيمة العملة المحلية، وسرعان ما تطورت لتشمل مظاهرات أوسع نطاقًا تعكس تفاقم المشكلات الاقتصادية وتطالب بإسقاط حكم رجال الدين. ورغم اتساع رقعة المظاهرات، لا تزال القيادة الدينية الشيعية والجيش وقوات الأمن تظهر تماسكًا، بينما يفتقر المتظاهرون إلى قيادة مركزية واضحة، وتبدو المعارضة الداخلية مشتتة.
موقف الصين من الرسوم الجمركية الأمريكية
في رد فعل دولي، انتقدت السفارة الصينية في واشنطن بشدة نهج ترامب، معلنة أن بكين ستتخذ “جميع التدابير اللازمة” لحماية مصالحها وترفض “أي عقوبات أحادية الجانب غير مشروعة تتجاوز الحدود القانونية”. يُذكر أن إيران، التي تخضع بالفعل لعقوبات أمريكية صارمة، تصدر جزءًا كبيرًا من نفطها إلى الصين، بالإضافة إلى شركاء تجاريين رئيسيين آخرين مثل تركيا والعراق والإمارات. ولم ينشر البيت الأبيض أي توثيق رسمي لسياسة الرسوم الجمركية الجديدة، ولم تتضح بعد السلطة القانونية التي سيعتمد عليها ترامب لفرضها.
تباين في أرقام الضحايا وتبادل الاتهامات
تتضارب التقارير حول حصيلة الضحايا في الاحتجاجات الإيرانية. فقد صرح مسؤول إيراني لوكالة رويترز بأن نحو ألفي قتيل سقطوا، محملاً “إرهابيين” مسؤولية مقتل المدنيين وأفراد الأمن. في المقابل، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، بتحققها من مقتل 646 شخصًا حتى وقت متأخر من أمس، منهم 505 محتجين و113 من أفراد الجيش والأمن وسبعة من المارة، مشيرة إلى تحقيقها في 579 حالة وفاة أخرى مبلغ عنها. كما ذكرت الوكالة أن السلطات احتجزت 10721 شخصًا منذ بدء الاحتجاجات، وهي أرقام لم يتسن لرويترز التحقق منها بشكل مستقل. وأشارت هرانا إلى تقارير ومقاطع مصورة من مقبرة بهشت زهرا في طهران تظهر تجمع أفراد من أسر القتلى وترديدهم هتافات احتجاجية. وتحمل إيران، التي لم تقدم عددًا رسميًا لقتلى الاحتجاجات، التدخل الأمريكي وما تصفه بـ”الإرهابيين المدعومين من إسرائيل والولايات المتحدة” مسؤولية إراقة الدماء، بينما تركز وسائل الإعلام الرسمية على سقوط قتلى من قوات الأمن.
خيارات واشنطن واستمرار قنوات الاتصال الدبلوماسية
في سياق الرد الأمريكي المحتمل، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، للصحفيين بأن “الدبلوماسية هي الخيار الأول دائمًا بالنسبة للرئيس”، لكنها أشارت إلى دراسة بدائل عديدة منها الغارات الجوية. وأضافت ليفيت أن “ما تسمعونه علنا من النظام الإيراني يختلف تماما عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة الأمريكية سرا”، مبدية اهتمام الرئيس باستكشاف هذه الرسائل. من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن طهران تدرس أفكارًا اقترحتها واشنطن، رغم أنها “لا تتوافق” مع التهديدات الأمريكية، مشيرًا إلى استمرار اتصالاته مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف قبل الاحتجاجات وبعدها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق