بيروت، لبنان – شهدت العاصمة اللبنانية بيروت زيارة لوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حملت معها مؤشرات على توجه دبلوماسي جديد، وصفته مصادر رئاسية لبنانية بـ”الوجه الجديد” أو “النيو لوك” السياسي. الزيارة، التي هدفت ظاهرياً إلى طي صفحة السجال السابق مع نظيره اللبناني، الوزير يوسف رجّي، لم تخلُ من تحديات دبلوماسية وأمنية، أبرزها حادثة الحقائب في مطار رفيق الحريري الدولي.
حادثة الحقائب الدبلوماسية: توتر في مطار بيروت
في تطور لافت، اضطر الوفد الإيراني المرافق لعراقجي إلى إعادة أربع حقائب يد إلى الطائرة الخاصة التي أقلتهم من طهران، وذلك بعد رفضهم إخضاعها للتفتيش من قبل السلطات الأمنية والجمركية اللبنانية. وأوضحت مصادر وزارية بارزة لـ”الشرق الأوسط” أن الحقائب افتقرت إلى التصريح المسبق لمحتوياتها ولم تكن مشمولة بالحصانة الدبلوماسية، مما استدعى طلب تفتيشها.
ورغم تأكيد الوفد الأمني الإيراني أن الحقائب تخص السفارة الإيرانية وتحوي “أوراقاً وبطاقات بيضاء”، وقيام السلطات بالكشف الإشعاعي عليها، إلا أن إصرار الوفد على عدم فتحها أثار تساؤلات حول طبيعة محتوياتها، وما إذا كانت تستدعي هذا التكتم، خاصة في ظل الإجراءات الأمنية المشددة في المطار. هذه الإجراءات، التي اتخذت بناءً على طلب مجلس الوزراء وبإشراف وزيري الداخلية والأشغال، حظيت بتأييد دولي واسع، لدرء أي مخاطر عن حركة الملاحة الجوية بعد تحذيرات دولية سابقة.
وتأتي هذه الحادثة في سياق قرار حكومي سابق بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في المطار، وامتناع شركة “طيران الشرق الأوسط” عن تسيير رحلاتها إلى طهران، وذلك لتوفير الحماية للملاحة الجوية بعد إنذارات إسرائيلية عبر الولايات المتحدة باستهداف المطار في حال السماح لها بالهبوط.
دبلوماسية ناعمة وتجنب الملفات الشائكة
على الرغم من إصرار عراقجي على الظهور بـ”وجه جديد” في لقاءاته مع الرؤساء الثلاثة (الجمهورية العماد جوزاف عون، المجلس النيابي نبيه بري، والحكومة نواف سلام)، واتباعه دبلوماسية ناعمة في حديثه عن تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، إلا أنه تجنب الخوض في ملف حصرية السلاح بيد الدولة، ومن خلالها سلاح “حزب الله”. هذا التجنب جاء متزامناً مع إغفال كتلة “الوفاء للمقاومة” لأي ذكر لاحتفاظ الحزب بسلاحه في اجتماعها الأسبوعي، خلافاً لبياناتها السابقة.
وقد شدد الرؤساء اللبنانيون على التزام الحكومة بتطبيق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبناها مجلس الوزراء بشأن حصرية السلاح، مؤكدين عدم التراجع عنها. وتزامن توقيت زيارة عراقجي مع استعداد لبنان للانتقال لتنفيذ المرحلة الثانية من تطبيق حصرية السلاح، التي تمتد من شمال نهر الليطاني حتى الأوّلي.
رسائل سياسية واقتصادية
أدرج الوزير الإيراني تطوير العلاقات الاقتصادية كبند أساسي على جدول أعمال لقاءاته، واختارها عنواناً لتبرير زيارته بصحبة وفد اقتصادي. وفسرت المصادر هذا التوجه بأنه محاولة لتمرير رسالة إلى الولايات المتحدة، تؤكد حضور بلاده في الملف اللبناني الذي يمر بمرحلة دقيقة، تهدف إلى الانتقال بالبلاد إلى بر الأمان عبر تطبيق حصرية السلاح وموافقة “حزب الله” على تسليم سلاحه.
وقد تلقى عراقجي تأكيدات رئاسية لبنانية على ضرورة انخراط “حزب الله” في مشروع الدولة، ليس فقط بالموافقة على البيان الوزاري الذي نص على احتكار الدولة للسلاح، بل بالمشاركة الفعالة في الحكومة ومنحها الثقة. ولم يقفل عراقجي الباب أمام معاودة المفاوضات مع واشنطن، معبراً عن استعداد بلاده لمواجهة كافة الاحتمالات، سلماً أو حرباً، وعازياً أسباب الاحتجاجات الداخلية في إيران إلى تدهور العملة.
توسيع دائرة الاتصالات
للمرة الأولى، شملت اتصالات عراقجي مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، في خطوة رأت فيها المصادر محاولة للإيحاء بأن إيران ليست معزولة لبنانياً، وأن لقاءاتها لا تقتصر على “أهل البيت” أو محور الممانعة. ورغم ذلك، لم يتبدل الموقف اللبناني الرسمي في توصيفه لطبيعة العلاقات اللبنانية-الإيرانية، ويبقى السؤال حول مدى استعداد طهران لإعادة النظر في مقاربتها للواقع السياسي المستجد في لبنان، خاصة في ظل التحولات الإقليمية وتداعياتها على الداخل اللبناني، وتحديداً بعد الأحداث التي شهدها البلد نتيجة تفرد “حزب الله” بإسناد غزة دون تحسب لرد فعل إسرائيل.
تساؤلات حول “الوجه الجديد”
يبقى السؤال مفتوحاً: هل كان “الوجه الجديد” لعراقجي في بيروت مجرد محاولة لإضفاء جو من الهدوء والليونة لطي صفحة السجال السابق؟ أم أنه يهدف إلى التحضير لفك اشتباك سياسي أوسع مع خصوم “حزب الله”؟ خاصة وأن الحزب وافق على اتفاق وقف الأعمال العدائية دون تسليم سلاحه، بانتظار ثمن سياسي، يعتبره البعض خط دفاعه الأول في محاكاة حاضنته لدفعها للتكيف مع مرحلة جديدة لا مكان فيها لاستخدام السلاح كفائض قوة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







اترك التعليق