تشهد مدينة حلب السورية تطورات متسارعة على الصعيدين الأمني والعسكري، حيث أعلنت الحكومة السورية عن إحكام سيطرتها الكاملة على المدينة، في حين رصد الجيش السوري تحركات لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قرب دير حافر شرقي حلب، مما ينذر بتصاعد التوترات في المنطقة.
السيطرة الحكومية على حلب وعودة الاستقرار
أكد محافظ حلب، عزام الغريب، عودة الاستقرار التدريجي والمتسارع إلى حيي الشيخ مقصود والأشرفية، مشيراً إلى أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الجهات المختصة ساهمت في ضبط الأمن وإعادة الطمأنينة للأهالي. وأوضح الغريب، في منشور عبر منصة إكس نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن الوحدات المعنية تواصل انتشارها الميداني لضمان الأمن ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار، بما يكفل حماية السكان وعودة الحياة الطبيعية.
وشدد المحافظ على أن ما تشهده حلب اليوم هو نتاج تكاتف أبنائها ووعيهم الوطني ودعمهم لمؤسسات الدولة، مؤكداً أن المدينة تجاوزت مرحلة القلق وتمضي بثبات نحو ترسيخ الأمن والاستقرار الشامل. وتوقع الغريب أن تشهد المرحلة المقبلة تعزيزاً للخدمات وعودة النشاط الاقتصادي والاجتماعي في جميع المناطق.
جاء هذا الإعلان بعد أن أحكمت القوات الحكومية قبضتها على الأحياء الكردية في المدينة، وأجلت المقاتلين منها إلى مناطق الحكم الذاتي الكردية عقب أيام من الاشتباكات الدامية. وقد بدأ سكان حي الأشرفية، وهو أول المناطق التي سيطرت عليها القوات الحكومية، بالعودة إلى منازلهم لتفقد الأضرار، حيث بدت الشوارع مغطاة بشظايا القذائف والزجاج المحطم، وفقاً لوكالة فرانس برس.
دير حافر: نقطة توتر استراتيجية
في سياق متصل، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن طائراتها رصدت قيام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإرسال مجموعات مسلحة ومعدات متوسطة وثقيلة إلى جبهة دير حافر شرقي حلب. وأضافت الهيئة أن طبيعة هذه التحركات والتعزيزات لم تتضح بعد، مشيرة إلى أن قواتها رفعت مستوى الجاهزية وعززت خطوط الانتشار في شرق حلب، تحسباً لمختلف السيناريوهات.
تقع دير حافر في ريف حلب الشرقي، على بعد نحو 52 كيلومتراً عن مدينة حلب، وتتميز بموقعها الجغرافي الهام على الطريق الرابط بين حلب والرقة. تاريخياً، كانت مركزاً زراعياً وتجارياً، وتضم مواقع أثرية قديمة. ورغم كونها مدينة صغيرة نسبياً، إلا أنها ذات كثافة سكانية وتعتمد على الزراعة وتربية المواشي والتجارة المحلية.
اكتسبت دير حافر أهمية عسكرية خاصة في السنوات الأخيرة، حيث يُعتقد أنها تحولت إلى أحد أبرز مواقع تمركز قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ريف حلب الشرقي. ورغم نفي قسد لهذه المعلومات، تتهمها منصات إعلامية تركية وسورية باستخدام المدينة كقاعدة عسكرية ومنصة لإطلاق الطائرات المسيّرة باتجاه مواقع الجيش السوري في حلب ومحيطها، بمدى يصل إلى 50 أو 60 كيلومتراً. وباتت دير حافر محوراً للتوترات المستمرة بين الجيش السوري وقسد، مع تسجيل اشتباكات متكررة ومحاولات متبادلة لاستهداف منصات الإطلاق والتحركات العسكرية.
تضارب الأنباء حول المعتقلين والضحايا
تضاربت الأنباء حول أعداد المعتقلين والضحايا خلال الاشتباكات الأخيرة في حلب. فقد صرح مسؤول أمني سوري لوكالة فرانس برس، طالباً عدم الكشف عن اسمه، بأن 419 مقاتلاً من قسد، بينهم 59 جريحاً وعدداً غير محدد من القتلى، نُقلوا من حي الشيخ مقصود إلى المنطقة ذات الأغلبية الكردية في شمال شرق البلاد. وأضاف المسؤول أن 300 شخص، بينهم مقاتلون وأفراد من قوات الأمن الداخلي، اعتقلوا.
في المقابل، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المعتقلين هم “300 شاب كردي من المدنيين وليسوا مقاتلين”. كما تحدث المرصد عن “إعدامات ميدانية” وحرق جثث مقاتلين في الشيخ مقصود على يد القوات الحكومية، إضافة إلى “انتهاكات أخرى”.
من جانبها، أكدت مديرية الصحة في حلب لوكالة سانا أن عدد الضحايا جراء استهداف تنظيم قسد للأحياء السكنية منذ الثلاثاء الماضي بلغ 24 قتيلاً و129 مصاباً. لكن المرصد السوري لحقوق الإنسان وثّق مقتل 45 مدنياً و60 مقاتلاً من الطرفين.
وقف إطلاق النار بوساطة دولية
أعلن مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، عبر منصة إكس، عن التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار في حلب بوساطة من أطراف دولية. ويتضمن الاتفاق تأمين إخراج “الشهداء، الجرحى، المدنيين العالقين والمقاتلين” من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال وشرق سوريا. ودعا عبدي الوسطاء إلى الالتزام بوعودهم في وقف الانتهاكات والعمل على عودة آمنة للمهجرين إلى منازلهم، موجهاً تحية “تبجيل وإكبار” لمقاومي الشيخ مقصود والأشرفية وأهاليهم.
خلفيات الصراع والتوترات المستمرة
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بقيادة مظلوم عبدي، على مناطق واسعة وغنية بالنفط في شمال وشمال شرق سوريا، وهي مناطق أحكمت قبضتها عليها خلال الحرب السورية وفي المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وتعتبر تركيا، الحليف القريب للقيادة السورية الجديدة، أن المكون الرئيسي لقسد هو امتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وقد شنت عدة عمليات عسكرية لإبعاد القوات الكردية عن حدودها.
وكان من المفترض تنفيذ اتفاق اندماج بين دمشق والأكراد في مارس/ آذار الماضي، لكن الخلافات، ومنها مطالب الأكراد بالحكم اللامركزي، أعاقت التقدم. وليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها حلب قتالاً عنيفاً، إذ شهدت اشتباكات واسعة النطاق بين القوات الحكومية وقوات المعارضة في عام 2016، مما أدى إلى إجبار مقاتلي المعارضة على التوجه إلى إدلب.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







