خريطة توضيحية لمملكة الدنمارك وكياناتها الثلاثة: الدنمارك، غرينلاند، وجزر فارو.
السياسة

مملكة الدنمارك: نظرة معمقة على كياناتها الثلاثة وتاريخها العريق

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في سياق التوترات الجيوسياسية الراهنة، أعادت تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، رداً على مقترحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بضم غرينلاند، تسليط الضوء على التركيبة الفريدة لمملكة الدنمارك. فقد أكدت فريدريكسن أن “الحديث عن استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند لا معنى له على الإطلاق، وليس للولايات المتحدة أي حق في ضم أي من الكيانات الثلاثة في المملكة الدنماركية”.

هذا الموقف الدنماركي الحازم جدد النقاش حول ماهية هذه “الكيانات الثلاثة” التي تشكل المملكة، وطبيعة الروابط الدستورية والسياسية التي تجمعها. كما أعاد إلى الواجهة تاريخ الدنمارك كقوة إسكندنافية عظمى شهدت فترات توسع وانكماش، وفقدت أقاليم شاسعة كالنرويج، وباعت ممتلكات بعيدة كجزر فيرجن في الكاريبي، مما يفسر جزءاً من حساسيتها البالغة تجاه أي مساس بسيادتها على أراضيها.

مملكة الدنمارك: كيان موحد بتاريخ عريق

تُعرف المملكة الدنماركية، وفقاً لدستور عام 1953، بأنها دولة ذات سيادة واحدة، تتألف من ثلاثة كيانات متميزة تاريخياً وقانونياً: الدنمارك نفسها، وغرينلاند، وجزر فارو.

الدنمارك: القلب النابض للمملكة

تُمثل الدنمارك، الواقعة في شمال أوروبا، المحور السياسي والديمغرافي والاقتصادي للمملكة. فمنها تنبثق المؤسسات السيادية الأساسية، بما في ذلك العرش، والحكومة، والبرلمان. وتتولى الدنمارك مسؤولية إدارة شؤون السياسة الخارجية والدفاع للكيانات الثلاثة، كما تُعد المحرك الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، حيث تتركز البنية التحتية المتطورة، والموانئ الحيوية، وشبكات الطاقة، والمؤسسات التعليمية والعلمية المرموقة.

الجغرافيا والأهمية الاستراتيجية

يتكون الكيان الدنماركي جغرافياً من شبه جزيرة يوتلاند، التي تمتد شمالاً من ألمانيا، بالإضافة إلى أرخبيل واسع من الجزر المنتشرة في بحر الشمال وبحر البلطيق. من أبرز هذه الجزر جزيرة زيلاند، التي تحتضن العاصمة كوبنهاغن، وجزيرتا فين ولولاند. وقد ساهم هذا التكوين الجغرافي الفريد في جعل الدنمارك، عبر تاريخها، قوة بحرية وتجارية بامتياز، متحكمة في المضائق البحرية الحيوية التي تربط بين بحر الشمال وبحر البلطيق. وتُعد الدنمارك جزءاً لا يتجزأ من الإقليم الأوروبي الشمالي المعروف باسم إسكندنافيا. ورغم مساحتها المتواضعة التي تبلغ نحو 43 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها الذي يقارب ستة ملايين نسمة، إلا أنها لعبت دوراً محورياً ومؤثراً في التاريخ الأوروبي.

الدور التاريخي وعصر الفايكنغ

تاريخياً، كانت شبه جزيرة يوتلاند مهداً لتشكل الدولة الدنماركية الأولى، ومنها انطلقت الممالك الإسكندنافية، لا سيما خلال عصر الفايكنغ. في تلك الحقبة، أسهم الدنماركيون، إلى جانب الشعوب الإسكندنافية الأخرى، في إعادة تشكيل المشهد الأوروبي من خلال حملات الغزو والتجارة والاستيطان الواسعة. وخلال العصور الوسطى، بسط التاج الدنماركي نفوذه على أجزاء شاسعة من شمال غرب أوروبا بفضل قوة اتحاد كالمار. وفي القرون اللاحقة، أقامت الدنمارك شبكات وتحالفات تجارية امتدت عبر شمال وغرب أوروبا وخارجها.

بدأ مجتمع الفايكنغ بالتبلور بحلول القرن التاسع الميلادي، وشمل الشعوب التي كانت تقطن ما يعرف اليوم بالدنمارك والنرويج والسويد، ثم آيسلندا لاحقاً منذ القرن العاشر. وقد أسس الفايكنغ مستوطنات كانت في البداية بمثابة مقرات شتوية مؤقتة أثناء حملاتهم، قبل أن تتحول تدريجياً إلى تجمعات دائمة. وانتقل الدنماركيون، على وجه الخصوص، إلى شمال وشرق إنجلترا، حيث استقر عدد كبير منهم برفقة نسائهم. كما شكلت منطقة نورماندي في فرنسا مركزاً رئيسياً آخر لمستوطنات الفايكنغ الدنماركيين.

تشير دائرة المعارف البريطانية إلى أنه في أوج عصر الفايكنغ، خلال النصف الأول من القرن العاشر، تشكلت المملكة الدنماركية في شبه جزيرة يوتلاند تحت حكم الملك غورم العجوز. وقد نجح ابنه وخليفته هارالد الأول في توحيد الدنمارك، وغزو النرويج، وتعميد الدنماركيين، وهي إنجازات خُلدت بنقوش رونية على حجر ضخم في يلينغ.

الحدود والتغيرات الإقليمية

لم يكن تحديد حدود المملكة الدنماركية في بداياتها أمراً معقداً، حيث جرى ضم الجزر المختلفة إلى المملكة بسهولة نسبية. غير أن الوضع كان أكثر تعقيداً في جنوب شبه الجزيرة الإسكندنافية، في المناطق التي تُعرف اليوم بجنوب السويد، حيث شملت أراضي الدنمارك مناطق سكونه وهالاند وبلكينجه، وبقيت هذه المناطق ضمن المملكة حتى فقدانها لصالح السويد في القرن السابع عشر.

في المقابل، ظل ترسيم الحدود الجنوبية للمملكة في شبه جزيرة يوتلاند إشكالياً، إذ خضعت منطقتا شليسفيغ وهولشتاين للنفوذ الدنماركي، رغم أن سكان هولشتاين كانوا في غالبيتهم من الألمان، إضافة إلى وجود عدد كبير من الألمان في شليسفيغ. ولم تُحل هذه المسألة نهائياً إلا مع رسم الحدود الحالية عام 1920.

لم تدم سيطرة هارالد على النرويج طويلاً، لكن ابنه سفين الأول استعاد النفوذ عليها، وشن غزوات متكررة على إنجلترا أرهقتها، قبل أن يُعترف به ملكاً عليها، غير أنه توفي بعد فترة قصيرة. وأعاد ابنه كنوت الأول، المعروف بـ”كنوت العظيم”، غزو النرويج التي انفصلت عقب وفاة سفين عام 1014، وأسس مملكة أنغلو-دنماركية استمرت حتى وفاته عام 1035. إلا أن خلفاءه فشلوا في الحفاظ على السيطرة على شمال وشرق إنجلترا، التي انتهت عام 1042 مع تولي الملك الإنجليزي إدوارد المعترف.

توسع ونهاية عصر الفايكنغ

انتهى عصر الفايكنغ بحلول منتصف القرن الحادي عشر. ويرى العديد من الباحثين أن اعتناق شعوب إسكندنافيا المسيحية أسهم في وضع حد لغارات الفايكنغ، إلى جانب عامل مركزية السلطة. فقد اعتمد كنوت العظيم، على سبيل المثال، على جيوش كبيرة منظمة تحت قيادته، بدلاً من الفرق الصغيرة المستقلة التي كانت سمة تقليدية للفايكنغ. كما عمل الملوك الإسكندنافيون، بوصفهم سادة إقطاعيين أكثر من كونهم قادة محاربين، على منع تكوين مجموعات قتالية مستقلة داخل أوطانهم. ويُضاف إلى ذلك تأثير تنامي قوة المغول في سهول أوراسيا على تراجع نفوذ الفايكنغ في تلك المناطق.

في أوائل القرن الحادي عشر، توسع الدنماركيون شرقاً واحتلوا أراضي في شمال ألمانيا على ساحل بحر البلطيق الغربي، مثل هولشتاين وأجزاء من مكلنبورغ وبوميرانيا. كما أرسلوا مبشرين على امتداد طرق التجارة من شليسفيغ إلى نوفغورود، وحاصروا تالين في إستونيا واستولوا عليها، ناشرين المسيحية هناك.

في عام 1225، وبعد أسر الملك الدنماركي فالديمار الثاني على يد أحد إقطاعيي شمال ألمانيا، تخلى عن معظم المناطق التي سيطر عليها الدنماركيون على سواحل بحر البلطيق، باستثناء إستونيا وجزيرة روغن. وأدت محاولته الأخيرة لاستعادة الأراضي المفقودة عام 1227 إلى هزيمته الحاسمة، لتطوى بذلك صفحة الإمبراطورية الدنماركية في بحر البلطيق الغربي. وفي عام 1346، باع الملك الدنماركي فالديمار الرابع إستونيا لفرسان التيوتون، وهي جماعة دينية عسكرية ألمانية كانت تسيطر على أجزاء من بحر البلطيق، وذلك في إطار تسديد ديون المملكة الدنماركية.

اتحاد كالمار وتراجع النفوذ

في العصور الوسطى، شكلت الدنمارك نواة قوة إسكندنافية كبرى حين بسطت نفوذها على مساحات واسعة من شمال أوروبا. ففي عام 1397، أنشئ اتحاد كالمار بفضل جهود الملكة مارغريت الأولى، وهو اتحاد ضم الدنمارك والنرويج والسويد تحت تاج واحد، ما جعل كوبنهاغن مركزاً لإمبراطورية إسكندنافية واسعة، تبعتها الأقاليم الخاضعة آنذاك للنفوذ النرويجي، وهي آيسلندا وغرينلاند وجزر فارو.

غير أن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً، إذ انفصلت السويد عام 1520، فيما بقيت النرويج تحت التاج الدنماركي حتى عام 1814. وخلال تلك القرون، لم تكن النرويج كياناً منفصلاً داخل المملكة، بل جزءاً من دولة واحدة تدار من كوبنهاغن. ومع هزيمة الدنمارك في الحروب النابليونية، فُرض عليها في معاهدة كيل عام 1814 التخلي عن النرويج لصالح السويد. ومع ذلك، احتفظت الدنمارك بالسيطرة على المناطق التي كانت تابعة للنرويج، مثل آيسلندا وجزر فارو وغرينلاند. وقد نالت آيسلندا استقلالها عام 1918، قبل أن تتحول إلى جمهورية عام 1944. ويُذكر أن النرويج بقيت في اتحاد مع السويد حتى عام 1905، حين أعلنت استقلالها الكامل.

أما منطقتا شليسفيغ وهولشتاين، فقد ظلتا خاضعتين للدنمارك إلى أن اندلعت الحرب في فبراير/شباط 1864 بين الدنمارك من جهة، وبروسيا والنمسا من جهة أخرى، مما أدى إلى فقدان الدنمارك لهاتين المنطقتين في نهاية المطاف.

غرينلاند وجزر فارو: جزء لا يتجزأ من المملكة

تُعد غرينلاند وجزر فارو كيانين يتمتعان بحكم ذاتي واسع ضمن المملكة الدنماركية. فغرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، وجزر فارو، الأرخبيل الواقع في شمال المحيط الأطلسي، لهما تاريخ طويل من الارتباط بالدنمارك، يعود إلى عصر الفايكنغ والنفوذ النرويجي السابق. ورغم تمتعهما بصلاحيات واسعة في إدارة شؤونهما الداخلية، إلا أن الدنمارك لا تزال مسؤولة عن سياستهما الخارجية والدفاعية، مما يعكس العلاقة الدستورية المعقدة والمتوازنة التي تحكم هذه المملكة العريقة.

خاتمة

تُظهر رحلة الدنمارك التاريخية، من قوة إسكندنافية مهيمنة إلى مملكة حديثة ذات كيانات متعددة، عمق الروابط التي تجمعها بغرينلاند وجزر فارو. إن أي حديث عن تغيير وضع هذه الأراضي يلامس تاريخاً طويلاً من السيادة والتضحيات، ويؤكد على الأهمية الاستراتيجية والثقافية لهذه الكيانات بالنسبة للمملكة الدنماركية ككل.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة