نهر الليطاني: حدود التقدم ورهان القرار
يمثل نهر الليطاني اليوم خطاً فاصلاً بين ما أنجزته الدولة اللبنانية في ملف سلاح حزب الله، والتحديات الكبرى التي تنتظرها. ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجيش والحكومة عن تقدم ملموس جنوب النهر، يبقى الشق الشمالي من هذه المهمة مؤجلاً، وسط ضغوط داخلية وخارجية متصاعدة تدفع بيروت نحو استكمال التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.
أعلن الجيش اللبناني مؤخراً سيطرته على معظم المناطق الواقعة جنوب الليطاني، باستثناء بعض النقاط التي لا يزال الجيش الإسرائيلي متمركزاً فيها، مؤكداً مواصلة جهوده لمعالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق. إلا أن جلسة مجلس الوزراء الأخيرة انتهت دون إعلان بدء المرحلة الثانية شمال النهر، مما أعاد طرح التساؤلات حول أسباب هذا التأجيل: هل هي صعوبات ميدانية حقيقية، أم حسابات سياسية معقدة؟
أوضح وزير الإعلام، بول مرقص، أن قيادة الجيش ستضع خطة لسحب السلاح شمال الليطاني، على أن تُعرض على الحكومة خلال شهر فبراير المقبل. لكن السؤال المحوري يبقى: هل التأجيل ناجم عن عجز ميداني، أم عن حسابات سياسية تتجنب الصدام مع حزب الله؟
مماطلة أم عجز؟ تعقيدات تنفيذ خطة نزع السلاح
في سبتمبر الماضي، قدم الجيش اللبناني للحكومة خطة مفصلة مقسمة إلى أربع مراحل جغرافية، تشمل: “أولاً: المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني. ثانياً: المنطقة الممتدة بين نهري الليطاني والأولي. ثالثاً: بيروت وضواحيها. ورابعاً: المناطق المتبقية من البلاد”، وفق ما كشفه وزير الخارجية يوسف رجي. وقد شدد رئيس الحكومة، نواف سلام، على ضرورة تأمين الدعم اللوجستي والمادي للجيش اللبناني لتمكينه من تنفيذ المرحلة الثانية واستكمال الخطة على كامل الأراضي اللبنانية “في أسرع وقت”.
وأشار مرقص إلى أن التحديات التي تواجه الجيش “هي صعوبات عملية ولوجستية، وكذلك في الموارد والدعم”. كما أكد رجي أن الجيش اللبناني “يواجه مهمة بالغة الصعوبة، إذ يعاني من نقص ملموس في الموظفين والموارد”، لكنه في الوقت ذاته شدد على أنه “قادر على مواجهة حزب الله عسكرياً إذا اقتضت الضرورة”، في موقف لافت يعكس تصاعد النقاش داخل مؤسسات الدولة.
في المقابل، يرى مراقبون أن ما يجري يتجاوز الإطار التقني، ليعكس تعقيدات سياسية عميقة تتصل بالتوازنات الداخلية والعلاقة مع حزب الله. ويعتبر هؤلاء أن السلطة التنفيذية تتبنى مقاربة تراعي الحزب أكثر مما تراعي قراراتها، مما يضعف ثقة المجتمعين المحلي والدولي بقدرة الدولة على معالجة هذا الملف. وذهب الباحث في شؤون الأمن القومي والاستراتيجي، العميد المتقاعد يعرب صخر، إلى حد وصف أداء السلطة التنفيذية بأنه “إخلال فاضح بقرارات مجلس الوزراء وخوف واضح من عملية حصر السلاح”. واعتبر، في منشور عبر منصة “إكس”، أن الجيش كان يفترض أن يُكلَّف بوضع خطة شمال الليطاني منذ ديسمبر، على أن يبدأ تنفيذها في يناير، مؤكداً أن التأجيل “تهرب غير مسؤول وإضاعة متعمدة للوقت”، وأن السلطة تعمل وفق إيقاع ورغبة حزب الله. وأشار صخر إلى أن من أبرز دلائل هذا النهج، “منع الجيش من تحديد المهل الزمنية لنزع السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وتأجيل خطة شمال الليطاني شهراً آخر ضمن بدعة احتواء السلاح وليس حصره”.
“الوقت القاتل” والخطيئة الكبرى
في الخامس من أغسطس الماضي، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بحصر السلاح بيد الدولة، ولاحقاً وافقت في سبتمبر على خطة الجيش اللبناني لتنفيذ المهمة. غير أن هذه الخطة لم تُرفق بجدول زمني واضح، باستثناء مرحلتها الأولى التي حددت نهاية عام 2025 موعداً للانتهاء من سحب السلاح جنوب الليطاني. يثير غياب الجدول الزمني تساؤلات حول جدية الدولة اللبنانية، في ظل ضغوط أميركية متزايدة لإنجاز المهمة.
في هذا السياق، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن لبنان بات في “الوقت القاتل” الذي يفرض الإسراع في التنفيذ دون أي تسويف، معتبراً أن أي تأجيل للمرحلة الثانية شمال الليطاني “لا يمكن تبريره بمنطق كسب الوقت”. ويحذر العاقوري من “أوهام بعض القوى السياسية بإمكان المراوغة أو انتظار متغيرات إقليمية ودولية عبر السير بإيقاع حزب الله”، واصفاً هذا النهج بـ”الخطيئة الكبرى”.
بدوره، يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن قرار الحكومة بالمضي في المرحلة الثانية “يشكل تحدياً مباشراً لحزب الله، الذي أعلن رفضه التعاون في هذه المرحلة، كما لم يتعاون فعلياً في المرحلة الأولى”. ويؤكد أن “الفجوة لا تزال قائمة بين الموقف النظري للدولة والتطبيق العملي المتباطئ خشية التصادم مع الحزب”، مشدداً على أن “الوقت لم يعد يسمح بالتأخير”.
حذر مدروس أم مماطلة استراتيجية؟
من جهة أخرى، يقدم خبراء قراءة مغايرة. إذ يرى الخبير الاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب، أن الجيش اللبناني يعتمد دبلوماسية “المماطلة” بانتظار ترجمة الوعود الدولية، ولا سيما عقد مؤتمر دعم الجيش في باريس الذي تم تأجيله إلى فبراير القادم. ويشرح أن “الدعم الغربي، ولا سيما الأميركي، للجيش اللبناني ليس جديداً، وتندرج موافقة الكونغرس على تخصيص 90 مليون دولار في إطار التحضير لمراحل لاحقة من مهامه، ما يعكس تناغماً واضحاً بين عملية الدعم وتنفيذ المهام”. وكان رئيس الحكومة قد أكد أنه على ضوء الإمكانات المتوافرة في مؤتمر باريس “سيتمكن الجيش من تنفيذ خطته لحصر السلاح”.
ويلفت ملاعب إلى أن الجيش حقق إنجازات ملموسة جنوب الليطاني “بسبب موافقة الحزب على تسليم سلاحه في تلك المنطقة، ما سمح بتنفيذ المهام بسلاسة”. في المقابل، تبقى الأوضاع شمال الليطاني أكثر تعقيداً كما يقول “بسبب احتمال وجود أنفاق وأسلحة ملغمة، والحاجة إلى تقنيات متقدمة وموقف مماثل من حزب الله لناحية التخلي عن سلاحه”. وفي السياق، أعلن حزب الله أمس الخميس أن لبنان أوفى بالتزاماته جنوب الليطاني، محذراً الحكومة من أي تنازلات لإسرائيل. ويرى ملاعب أن “الوقت يصب في مصلحة الاستراتيجية الحكومية، خصوصاً إذا نجح الضغط الدبلوماسي في وقف الاستهدافات الإسرائيلية وتحقيق انسحاب إسرائيلي من النقاط المتواجد فيها جنوب البلاد، ما يسهل مهمة الجيش”.
هل يتلقف لبنان الفرصة؟ تنفيذ القرار 1701
منذ توقف القصف المتبادل بين حزب الله وإسرائيل في نوفمبر الماضي، عقب نحو 14 شهراً من المواجهات، بدت الساحة اللبنانية أمام فرصة نادرة لكسر حلقة الحروب المتكررة. فقد نصّ اتفاق وقف إطلاق النار على تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، والذي يدعو إلى إقامة منطقة خالية من أي وجود مسلح بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، باستثناء الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”. كما يشير القرار إلى وجوب تطبيق القرار 1559، الذي ينص على نزع سلاح جميع الميليشيات في لبنان، وحصر السلاح بيد الدولة.
ورغم وجود توافق داخلي واسع حول هذه المبادئ، فإن التقدم الفعلي بقي حتى الآن محصوراً جنوب الليطاني. وفيما يشدد الجيش اللبناني على أن انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس ووقف استهدافاتها يسهّل عملية حصر السلاح، يرى العاقوري أن المسؤولية لا تقع على إسرائيل وحدها، مشدداً على ضرورة قيام لبنان بواجباته الداخلية. ويشدد العاقوري على أن “نزع سلاح حزب الله مرتبط مباشرة بتنفيذ اتفاق الطائف، وليس فقط باتفاق وقف النار الأخير”. ويشير إلى “التناقض بين دعوات رئيس الجمهورية اللبنانية للمجتمع الدولي لمنع تهريب الأسلحة وقطع تصنيعها، فيما حزب الله يتباهى بإعادة التسلح، ما يعزز مبررات إسرائيل للتصعيد العسكري”. من جهته، يشدد جبور على أن إسرائيل “واضحة في موقفها، فهي لن تنسحب من نقاط تواجدها ولن توقف استهدافاتها قبل تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، تنفيذاً لاتفاق وقف النار الذي يحاول الحزب الالتفاف عليه، كما فعل عام 2006″، مؤكداً أن إصرار الحزب على التمسك بسلاحه يعد “انتحاراً”.
تصعيد إسرائيلي وجرس إنذار
صعدت إسرائيل في الأيام الأخيرة عملياتها العسكرية ضد أهداف تابعة لحزب الله وحركة “حماس”، وأعادت العمل بسياسة توجيه الإنذارات للسكان قبل استهداف المباني. وعقب بيان الجيش اللبناني، أعلنت إسرائيل أنها تعتبر أن خطواته والحكومة اللبنانية “مشجعة لكنها غير كافية”، مشددة على أن اتفاق وقف النار ينص على نزع سلاح حزب الله بالكامل، معتبرة ذلك شرطاً أساسياً لأمنها ولمستقبل لبنان. وتتهم إسرائيل حزب الله بالعمل على إعادة تسليح نفسه وتهريب الأسلحة من سوريا. وفي نوفمبر الماضي، أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، نداف شوشاني، ذلك، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل على إغلاق الطرق البرية بنجاح، لكن الحزب لا يزال يشكل تهديداً. ويشير تقرير لمركز ألما الإسرائيلي إلى محاولات أسبوعية لتهريب أسلحة خفيفة ومتوسطة، تشمل “مئات صواريخ الكورنيت وصواريخ غراد”، لافتاً إلى أن بعض الشحنات تنجح بالوصول إلى الأراضي اللبنانية.
ويرى العاقوري أن توصيف إسرائيل للخطوات اللبنانية بأنها “مشجعة لكنها غير كافية” يمثل “جرس إنذار”، مع وجود “ضوء أخضر أميركي لأي ضربة محتملة”. ويتساءل العاقوري عن “قدرة واشنطن على الاستمرار في الضغط على إسرائيل لتمديد المهلة، بعد أن كانت قد حددت نهاية 2025 موعداً لإنهاء السلاح غير الشرعي في لبنان”. بينما يحذر جبور من أن التأخر في نزع السلاح “سيؤدي إلى حرب حتمية”.
وبين المماطلة السياسية والحذر العسكري، يتآكل عامل الوقت، فيما يراقب الداخل والخارج قدرة الدولة اللبنانية على نزع السلاح غير الشرعي واحتكار قرار الحرب والسلم.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق