لم يكن فيلم “الملحد” مجرد عمل سينمائي عابر في المشهد المصري، بل تحول إلى قضية رأي عام، وجدل فكري وقانوني عميق، كشف عن تعقيدات العلاقة بين الفن، الرقابة، وحرية التعبير في مجتمع يواجه تحولات فكرية متسارعة. فبعد رحلة طويلة من التعثر والانتظار، استمرت لأكثر من ستة عشر شهرًا، تمكن الفيلم أخيراً من الوصول إلى الجمهور، ليفتح نقاشاً أوسع حول حدود المسموح به في الإبداع.
“الملحد”: رحلة من التعثر إلى الشاشة الكبرى
على الرغم من حصوله على الموافقات الرقابية اللازمة واكتمال تصويره، ظل فيلم “الملحد”، من تأليف إبراهيم عيسى وإخراج محمد العدل، حبيس الرفوف لأكثر من عام ونصف. هذا التأخير غير المبرر أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية وراء تعثر عرضه، إلى أن حسم القضاء المصري الجدل في نوفمبر الماضي، رافضاً الدعاوى القضائية المقامة ضده ومؤكداً افتقارها للأدلة القانونية أو الفنية. وفي 31 ديسمبر، شهدت دور العرض المصرية انطلاق الفيلم تجارياً للمرة الأولى، منهياً بذلك فصلاً طويلاً من الترقب.
مضمون الفيلم: قضايا فكرية واجتماعية حساسة
يقدم فيلم “الملحد” على المستوى الدرامي، قصة شاب ينشأ في بيئة دينية متشددة، ليخوض لاحقاً مساراً من التحولات الفكرية الحادة. ويربط العمل بجرأة بين القمع الذي يمارس باسم الدين، وبين الانفصال عن الإيمان كإحدى النتائج المحتملة في سياقات اجتماعية معينة. كما يتعمق الفيلم في مناقشة قضايا اجتماعية شديدة الحساسية، من قبيل تزويج القاصرات وزراعة الأعضاء، مما يجعله محفزاً للتفكير والنقاش. ويضم الفيلم نخبة من نجوم السينما المصرية، منهم أحمد حاتم، محمود حميدة، حسين فهمي، وصابرين.
رؤية المؤلف: ضغوط سياسية وحملات منظمة
في حديثه لـ”الحرة”، لم يقدم المؤلف إبراهيم عيسى تفسيراً قاطعاً لتعثر عرض الفيلم، لكنه أرجع ذلك إلى “ضغوط مكثفة وحملات إلكترونية منظمة” قادتها، على حد وصفه، جماعات محسوبة على تيارات الإسلام السياسي. هذه الحملات، التي استهدفت التشويش على العمل ووقف عرضه، ربما دفعت بعض مؤسسات الدولة إلى تجنب المواجهة المباشرة، وترك الملف للقضاء، خاصة في ظل ما وصفه بحساسية إقليمية متزامنة، أبرزها تطورات حرب غزة. وأشار عيسى إلى أن الاعتراض على الفيلم ارتبط، في رأيه، باسم العمل ومضمونه، إضافة إلى مواقفه الفكرية المعلنة، مؤكداً أن “مجرد مناقشة الإلحاد يُعد لدى معارضي الفيلم مساساً بالدين، في ظل رفضهم الاعتراف بوجوده أو القبول بالاختلاف حوله”.
السينما والرقابة في مصر: سياق تاريخي
ليست قضية “الملحد” الأولى من نوعها في تاريخ السينما المصرية، فقد واجهت أفلام عديدة، عبر عقود، قرارات منع أو دعاوى قضائية لأسباب دينية أو سياسية أو أخلاقية. من الأمثلة البارزة على ذلك فيلم “لاشين” (1938)، و”المهاجر” للمخرج يوسف شاهين، و”بحب السيما”. وغالباً ما تحولت هذه القضايا إلى اختبارات علنية للعلاقة المعقدة بين الفن والرقابة، وحدود المسموح به في الفضاء العام، مما يعكس سجالاً مستمراً حول حرية الإبداع.
قراءات نقدية: الفن كمنصة للحوار
من جانبه، اعتبر الناقد الفني محمد شميس أن فيلم “الملحد” يعيد طرح ما كان يُعرف بـ”سينما المؤلف”، من خلال تناوله لقضية فكرية شائكة. وأوضح لـ”الحرة” أن أهمية الفيلم لا تكمن في عنوانه بقدر ما تكمن في مناقشته للخطاب الديني المعاصر، الذي “يفشل في الإجابة عن كثير من الأسئلة الجديدة في ظل اتساع مصادر المعرفة”. وأضاف أن الفيلم يتجنب الشخصيات النمطية، ويقدم أبطاله باعتبارهم نتاج ظروف معقدة، مؤكداً أن العمل “يرفض القتل بسبب الاعتقاد، وينتقد ما يُعرف بحد الردة، لكن من دون خطاب صدامي مباشر”.
أما الكاتب والباحث عبد السميع جميل، فرأى أن الأفلام التي تقترب من القضايا الفكرية الخلافية تساهم في توسيع مساحة الحوار العام. وقال إن الفن “يمتلك قدرة خاصة على طرح الأسئلة من زوايا إنسانية متعددة”، معتبراً أن هذا النوع من الأعمال يفتح أمام الشباب نافذة للنقاش بدل ترك هذه الأسئلة خارج المجال الثقافي، مشيراً إلى أن بعض التيارات المحافظة تتعامل مع هذه الأعمال بوصفها هجوماً على الدين، “رغم أنها، في جوهرها، نقد لممارسات وخطابات معينة، لا للعقيدة نفسها”.
ماذا تكشف قضية “الملحد”؟
قال إبراهيم عيسى إن الهدف من الفيلم لم يكن إثارة الجدل، بل “فتح نقاش حول أزمة أعمق تتعلق بعدم تقبل الاختلاف، ورفض طرح القضايا الجدلية داخل المجال العام”. واتفق معه شميس، معتبراً أن أزمة “الملحد” كشفت، في رأيه، غياب تضامن مؤسسي واضح مع صنّاع الفيلم خلال فترة الجدل، رغم ما وصفه بـ”حملات منظمة استمرت لأكثر من عام”.
في المحصلة، تجاوزت قضية “الملحد” حدود فيلم بعينه، لتتحول إلى نقاش أوسع حول مساحة الحرية المتاحة أمام السينما المصرية، ودور القضاء في الفصل في النزاعات المرتبطة بالإبداع، وقدرة المجال العام على استيعاب أعمال تطرح أسئلة دينية وفكرية حساسة دون أن تتحول تلقائياً إلى معارك إقصاء أو تخوين. إنها دعوة للتفكير في كيفية بناء جسور الحوار في مجتمعات تتوق إلى التعددية الفكرية واحترام الاختلاف.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق