شهدت مدينة حلب السورية مؤخرًا تطورات متسارعة، حيث أعلنت السلطات السورية عن بدء عملية نقل مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من حي الشيخ مقصود إلى مناطق شمال شرق البلاد. تأتي هذه الخطوة في أعقاب أيام من الاشتباكات الدامية وتبادل الاتهامات بين القوات الحكومية وقسد، مما يعكس تصعيدًا جديدًا في المشهد السوري المعقد.
تطورات ميدانية واتهامات متبادلة
أفادت وسائل الإعلام الرسمية السورية، يوم السبت، بأن عملية نقل مقاتلي قسد الذين أعلنوا استسلامهم في مستشفى ياسين بحي الشيخ مقصود قد بدأت، حيث تم نقلهم بالحافلات إلى مدينة الطبقة تحت إشراف وزارة الداخلية. وقد أكد مراسلون ميدانيون مغادرة حافلات تقل المقاتلين برفقة قوات أمنية.
في المقابل، اتهم مدير صحة حلب، محمد وجيه جمعة، “حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً والمجموعات المسلحة المرتبطة به” بطرد الكوادر الطبية من مستشفى ياسين وتحويله إلى نقطة عسكرية. كما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن “تنظيم قسد” استهدف مبنى محافظة حلب بطائرة مسيرة أثناء مؤتمر صحفي، مما أسفر عن إصابة أربعة مدنيين جراء استهداف أحياء المدينة بمسيرات انتحارية. وقد دانت الحكومة السورية هذه الهجمات، واصفة إياها بـ “الاعتداء الإرهابي السافر” الذي يهدد حياة المدنيين ويتجاهل التفاهمات الأمنية.
وأكدت الحكومة السورية عزمها على استمرار إجراءات “إنفاذ القانون” في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية “لاستعادة الأمن وبسط سلطة القانون على كامل التراب السوري”، مشددة على أن هذه الأعمال “لن تثني الدولة عن واجبها في حماية المواطنين وتطهير المناطق من المظاهر المسلحة غير الشرعية”.
نفي قسد وروايتها للأحداث
من جانبها، نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بشكل قاطع اتهامات الحكومة السورية باستهداف المناطق المدنية في حلب، مؤكدة أن “جميع الادعاءات المتداولة في هذا الصدد كاذبة ولا أساس لها من الصحة”. وأشارت قسد إلى أن مقاتليها تمكنوا من تدمير ثلاث دبابات تابعة “لميليشيات موالية لحكومة دمشق” أثناء قصفها لمستشفى خالد فجر في حي الشيخ مقصود.
كما اتهمت قسد في بيان لها “طائرات بيرقدار التركية المسيرة” بمواصلة قصف المستشفى المكتظ بالجرحى المدنيين، واصفة ذلك بـ “التصعيد الخطير الذي يهدد حياة المدنيين والعاملين في المجال الطبي”.
تباين حول وقف إطلاق النار
تضاربت الأنباء حول وقف العمليات العسكرية، فبينما أعلن الجيش السوري عن تعليق كافة العمليات في حي الشيخ مقصود اعتباراً من يوم السبت، تمهيداً لترحيل عناصر قسد إلى مدينة الطبقة، نفت قوات قسد صحة هذه المزاعم. وأكدت القوات الكردية في بيان لها أن إعلان دمشق يمثل “محاولة سافرة لتضليل الرأي العام”، مشددة على أن مقاتليها لا يزالون يتصدّون لهجوم وصفته بـ “العنيف”.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت فجر الجمعة عن وقف إطلاق النار في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ودعت القوات الكردية إلى إخلائهما، إلا أن قسد رفضت ذلك، مؤكدة تصميمها على “الدفاع” عن مناطقها.
الوضع الإنساني وتداعيات النزاع
في سياق متصل، أفاد محافظ حلب، عزام الغريب، بنزوح نحو 155 ألف شخص من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية جراء المعارك. واتهم الغريب قسد بعدم الالتزام باتفاق سابق وتحويل الحيّين إلى “منطلق لاستهداف مواقع الجيش وقوى الأمن الداخلي والأحياء المجاورة”، مشيراً إلى أن “انتهاكات قسد تكررت مراراً” وأن الدولة “تحلّت بالصبر ودعت إلى التهدئة حرصاً على حياة المدنيين”. وأضاف أن “اعتداءات قسد” أدت إلى مقتل ستة مدنيين وإصابة أكثر من 70 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال.
ردود الفعل الدولية
على الصعيد الدولي، أكد الأردن والولايات المتحدة استمرار تعاونهما لدعم الاستقرار في سوريا، وتثبيت وقف إطلاق النار، وذلك خلال زيارة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس بارِك إلى عمّان. وبحث الطرفان الجهود المشتركة لضمان الانسحاب السلمي لقوات سوريا الديمقراطية وحماية المدنيين.
كما رحب وزير الدفاع التركي يشار غولر بالعملية السورية، معتبراً إياها “تستهدف جميع الجماعات الإرهابية”، ومؤكداً أن “أمن سوريا هو أمن تركيا”. في المقابل، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره السوري إلى “ضبط النفس”، مؤكداً أن فرنسا تواصل جهودها لتسهيل الحوار بين السلطات السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
خلفية التوترات
تأتي هذه التطورات على وقع تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية منذ توقيع اتفاق في مارس/آذار، والذي كان يهدف إلى دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية. وقد أدت الاشتباكات الأخيرة، التي اندلعت في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إلى سقوط 21 قتيلاً، مما يؤكد هشاشة الوضع الأمني في المنطقة وتعقيداته.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق