لم تعد ضبطيات المخدرات في السودان مجرد حوادث أمنية متفرقة، بل باتت مؤشراً خطيراً على تحول البلاد إلى مركز إقليمي لتصنيع وتهريب المواد المخدرة. فمع تصاعد وتيرة الحرب وانهيار أجهزة الرقابة، تتزايد المخاوف من أن يتحول السودان إلى ما يُعرف بـ “سوريا الكبتاغون” الجديدة، حيث تستغل الشبكات الإجرامية والفصائل المسلحة الفوضى لتمويل صراعاتها.
من ممر للعبور إلى معقل للتصنيع: تحول مقلق
تكشف الأرقام الأخيرة عن حجم هائل من المخدرات المصادرة، من أطنان “الآيس” و”الكريستال” إلى ملايين حبوب “الترامادول” و”الكبتاغون”، بالإضافة إلى كميات ضخمة من “البنقو” و”الشاشمندي”. هذه الكميات، التي تفوق بكثير ما يمكن ربطه بالاستهلاك المحلي، تؤكد أن السودان لم يعد مجرد محطة عبور، بل بات ساحة نشاط متنامٍ لشبكات التهريب والتصنيع، تستفيد من الصراع وتفكك مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، يرى اللواء شرطة حقوقي د. محمد أحمد الأمين دفع الله، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، أن الضبطيات المتتالية دليل على استمرار عمل الأجهزة الأمنية رغم الحرب، مؤكداً أن استراتيجية الحكومة في ضبط المعابر ونقاط التفتيش “مرنة جداً وتتجدد وفق الوضع الراهن”.
لكن التطور الأكثر إثارة للقلق هو ظهور مؤشرات واضحة على التصنيع المحلي للمخدرات. ففي يونيو 2023، أعلنت السلطات عن ضبط مختبر في إقليم النيل الأزرق بطاقة إنتاجية قُدّرت بنحو 7,200 حبة في الساعة. وبعد أقل من عام، في فبراير 2024، تم الإعلان عن ضبط مختبر آخر في شمال الخرطوم بقدرة إنتاجية تصل إلى 100 ألف حبة في الساعة. هذه القفزة الهائلة، بحسب رافاييلا ليبشيتز، الخبيرة في ملفات الجريمة والصراعات بمعهد “نيولاينز”، هي مصدر القلق الأساسي.
الحرب كعامل حاسم: كيف دخلت المواد الكيميائية؟
يبقى السؤال الأبرز حول كيفية دخول المواد الخام والمعدات اللازمة للتصنيع. هنا يتفق الخبراء الدوليون مع الرواية الرسمية على أن الحرب هي العامل الأساسي. توضح ليبشيتز أن الصراع يؤدي إلى “ضعف كبير في قدرات إنفاذ القانون“، وأن العديد من المواد المستخدمة في تصنيع الكبتاغون “ذات استخدام مزدوج”، مما يسهل تمريرها عبر الموانئ والحدود في ظل الفوضى الأمنية.
من جانبه، يشدد اللواء دفع الله على أن وجود هذه المواد لا يعني غياب الدولة، مؤكداً أن جهاز مكافحة المخدرات ما زال يعمل رغم تدمير جزء كبير من بنيته التحتية، وينتشر في كل ربوع السودان لمنع انتشار المخدرات. ويضيف أن لجنة قومية عليا تنسق الجهد المدني والأمني، وأن الضبطيات المتتالية “خير دليل” على أن السودان طرف فاعل في مواجهة المشكلة وليس راعياً لها.
شبح “سوريا الكبتاغون”: مقارنة وتحذيرات
كثفت بعض التقارير المقارنة بين السودان وسوريا، التي تحولت فيها تجارة الكبتاغون إلى صناعة منظمة برعاية رسمية خلال سنوات الحرب. لكن ليبشيتز ترى أن المقارنة تبقى محدودة، مشيرة إلى أن الفارق الجوهري يكمن في غياب الغطاء المؤسسي للمخدرات في السودان. ففي سوريا، كان الإنتاج برعاية الدولة، بينما لا نرى نفس الدرجة من الرعاية الحكومية في السودان.
ويرفض اللواء دفع الله تصنيف السودان كـ”دولة راعية للمخدرات”، معتبراً أن هذا الطرح “لا أساس له من الصحة”. ومع ذلك، تشير بيانات الضبطيات إلى أن عدداً من المختبرات المكتشفة كانت تقع في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مما يجعل من الصعب تصديق أنها كانت تعمل دون علم القوات المسيطرة على الأرض، بحسب ليبشيتز.
السودان على خارطة التهريب الإقليمية: موقع استراتيجي جديد
جغرافياً، يكتسب السودان أهمية متزايدة في شبكات التهريب الإقليمية، خاصة بعد تعطل جزء من الإنتاج في بلاد الشام. ترى ليبشيتز أن السودان، إلى جانب اليمن، بات محط اهتمام المهربين لقربه من أسواق الخليج، وامتلاكه منفذاً على البحر الأحمر، وحدوداً واسعة يسهل اختراقها.
ورغم أن الكبتاغون لا يمثل المصدر الرئيسي لتمويل الحرب في السودان، بل “مكافأة إضافية” لقوات الدعم السريع التي تعتمد على موارد أكبر مثل الذهب، إلا أن تراكم هذه العائدات يمكن أن يساهم في إطالة أمد الصراع، وهو ما تحذر منه الخبيرة. ويتوافق هذا التحذير مع دعوة اللواء دفع الله للمجتمع الدولي، ولا سيما مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى رفد السودان بدعم عاجل فني ولوجستي، مؤكداً أن دولة أنهكتها الحرب لا يمكنها مكافحة “جريمة منظمة عابرة للحدود” بمفردها.
إن التحول الذي يشهده السودان في ملف المخدرات يمثل تحدياً أمنياً وإنسانياً جسيماً، يتطلب استجابة دولية عاجلة لمنع تحول البلاد إلى بؤرة تهدد استقرار المنطقة بأسرها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







