نظرة على التحديات الأوروبية: ما وراء ادعاءات ترامب
لطالما كانت أوروبا محط أنظار العالم، ومؤخراً، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول “أزمة” القارة جدلاً واسعاً. ففي الوقت الذي يرى فيه ترامب أن أوروبا تتجه نحو “محو حضاري” ما لم تتدخل الولايات المتحدة، يقدم خبراء ومراقبون رؤية أعمق وأكثر تعقيداً لهذه التحديات. فبينما قد يكون ترامب محقاً في وجود مشكلات، إلا أن جوهر الأزمة يكمن في قضايا أبعد بكثير مما يطرحه.
تُعاني أوروبا، في جوهرها، من عقود من نقص الاستثمار في رأس المال البشري، وتجاهل مستمر للمجتمعات المهمشة، وتردد في مواجهة التداعيات المتشابكة للتراجع الديموغرافي والاقتصادي. يميل القادة السياسيون إلى تجنب هذه المحادثات الصعبة، فمنهم من ينكر المشكلات، وآخرون يعترفون بها سراً بينما يناقشون علناً الأعراض دون معالجة الأسباب الجذرية.
تتجلى هذه الإخفاقات بوضوح لدى الفئات الأكثر تضرراً. ففي جميع أنحاء أوروبا، يكافح الملايين من الطبقة العاملة من أجل البقاء في ظل إغلاق المصانع، ونقص تمويل المدارس، وارتفاع تكاليف السكن، وتدهور الخدمات العامة. وتُعد أقلية الروما، وهي الأقلية الأكبر والأكثر حرماناً في أوروبا، خير مثال على هذا التهميش، حيث تكشف تجربتهم عن خيار القارة في التعامل مع شرائح كاملة من سكانها كخسائر جانبية. وعندما يضغط ترامب على جروح أوروبا، فإن هذه المجتمعات تؤكد أين يكمن الألم الحقيقي.
أوروبا وروسيا: ضعف الثقة في القيم الأساسية
يشير ترامب في استراتيجيته للأمن القومي إلى أن “نقص الثقة بالنفس” الأوروبي يتجلى بوضوح في علاقتها مع روسيا. وهذا صحيح جزئياً؛ فالتذبذب الأوروبي تجاه موسكو يتناقض بشكل صارخ مع العدوانية الموجهة نحو الفئات الأضعف داخل حدودها. وهذا يعكس، في جوهره، نقص الثقة في القيم الأوروبية الأساسية.
لو كانت أوروبا قوية حقاً، لدافعت عن قيم الديمقراطية والتعددية. ولما قامت بشيطنة أقلياتها. لكن الواقع يظهر عكس ذلك. ففي جميع أنحاء القارة، تواجه مجتمعات الروما سياسات عنصرية. في سلوفينيا، على سبيل المثال، وبعد شجار في حانة تصاعد إلى هستيريا عامة، أقر البرلمان الوطني قانوناً في نوفمبر لتأمين أحياء الروما. وفي البرتغال، استخدم أندريه فينتورا من حزب “شيغا” اليميني المتطرف ملصقات تقول “يجب على الغجر الالتزام بالقانون” كجزء من حملته الرئاسية. أما في إيطاليا، فقد بنى السياسي اليميني المتطرف ماتيو سالفيني علامته السياسية بأكملها على معاداة الروما. وفي اليونان، تطلق الشرطة النار على شباب الروما لارتكابهم جرائم بسيطة. إن القادة الأوروبيين يفرطون في تأمين الروما بينما يبالغون في حذرهم تجاه روسيا.
التدهور الاقتصادي والعجز الديمقراطي: إمكانات مهدرة
كما تسلط استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الضوء على تراجع حصة أوروبا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، من 25% في عام 1990 إلى 14% حالياً. تلعب اللوائح التنظيمية والتراجع الديموغرافي دوراً في ذلك، لكن المشكلة الأعمق تكمن في فشل أوروبا في الاستثمار في جميع أفراد شعبها.
فالملايين من الروما، الذين يمثلون الفئة السكانية الأصغر سناً في أوروبا، يظلون محرومين من التعليم والتوظيف وريادة الأعمال بسبب الحواجز الهيكلية والتمييز، على الرغم من أن الاستطلاعات تظهر استعدادهم الهائل للمساهمة في المجتمعات التي يعيشون فيها، ومعدلات نجاحهم العالية عندما يديرون أعمالاً تتلقى الدعم. فلو تساوت معدلات توظيف الروما في رومانيا وسلوفاكيا وبلغاريا – حيث تزيد معدلات بطالتهم حالياً بـ 25 نقطة مئوية عن تلك الخاصة بالأغلبية – مع المتوسطات الوطنية، لبلغت المكاسب الإجمالية في الناتج المحلي الإجمالي حوالي 10 مليارات يورو. وفي قارة تفقد مليوني عامل سنوياً، فإن ترك هذه الإمكانات العمالية دون استغلال يُعد تخريباً ذاتياً.
إن تحذير ترامب من “تخريب العمليات الديمقراطية”، وإن لم يكن يقصد الأقليات، فهو يعكس حقيقة أن أوروبا تعاني من عجز ديمقراطي. فوفقاً لتقديرات مؤسسة الروما لأوروبا، يجب أن يشغل الروما أكثر من 400 مقعد في البرلمان الأوروبي بشكل متناسب. ومع أن البرلمان الأوروبي يضم مقاعد لمالطا ولوكسمبورغ، وهما دولتان يبلغ عدد سكانهما 570 ألفاً و680 ألفاً على التوالي، فإنه لا يضم أي مقاعد لمجتمع الروما. إن العجز الديمقراطي الأكثر إلحاحاً هو عدم تمثيل 12 مليوناً من الروما. إن القارة التي تهدر إمكانات سكانها لا يمكن أن تكون تنافسية، وتلك التي تقمع أجزاء من ناخبيها لا يمكنها أن تدعي أنها تمثيلية.
الحل الحقيقي: نحو واقعية شاملة
إن الحل الذي يقترحه ترامب لأزمة أوروبا، والذي يعتمد على تمكين اليمين المتطرف المناهض للهجرة والأقليات، لن يحل شيئاً. فالأدلة تشير إلى عكس ذلك؛ فالدول التي تؤثر فيها كراهية الأجانب على السياسات لم تحقق أداءً جيداً. في المملكة المتحدة، حيث قادت قوى اليمين المتطرف حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي بسبب مخاوف الهجرة، قدر الخبراء أن الناتج المحلي الإجمالي أقل بنسبة 6-8% مما كان يمكن أن يكون عليه بدون خروج بريطانيا. وفي المجر، حيث سنت حكومة فيكتور أوربان سياسات معادية للمهاجرين وتمييزية، هناك ركود اقتصادي وعجز كبير في الميزانية وتجميد لأموال الاتحاد الأوروبي. إن الإقصاء يضعف الاقتصادات ويجعل الديمقراطيات عرضة للخطر.
إن تمكين الورثة الأيديولوجيين للقوى التي ساعدت الولايات المتحدة أوروبا على هزيمتها في الماضي لن يساعد في تعافي القارة. بل إن هذا “الاستعادة” لإيديولوجية اليمين المتطرف المتطرفة سيعمق اعتماد أوروبا على واشنطن، ثم على موسكو. كما أنه من الصحيح أن أوروبا لا تستطيع البقاء في ظل السياسة الواقعية العالمية بالاعتماد على الحنين الليبرالي أو القمم متعددة الأطراف أو الالتزامات الخطابية.
ما تحتاجه أوروبا حقاً هو “الواقعية الشاملة”: الاعتراف بأن الاستثمار في جميع أفراد الشعب ليس عملاً خيرياً، بل ضرورة استراتيجية. يوضح صعود الصين هذه الحقيقة؛ فقد أدت عقود من الاستثمار في الصحة والتعليم والتوظيف إلى توسيع رأس المال البشري، وزيادة الإنتاجية، وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية. لا يمكن لأوروبا أن تهدر إمكانات سكانها بينما تتوقع أن تظل لاعباً ذا صلة. إن الخيار الحقيقي ليس بين الليبراليين واليمين المتطرف، بل بين تعميق جروحها بتهميش الملايين أو البدء في الشفاء من خلال الاستثمار في الأشخاص الذين طالما عاملتهم على أنهم قابلون للاستغناء عنهم.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق