أحد أفراد قوات العمالقة الجنوبية في عدن خلال التحولات الأمنية الأخيرة في جنوب اليمن.
السياسة

جنوب اليمن: تحولات دراماتيكية تعيد رسم خريطة السيطرة في 48 ساعة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهد جنوب اليمن تحولات عسكرية وسياسية متسارعة وغير مسبوقة خلال 48 ساعة فقط مطلع يناير 2026، أعادت رسم خريطة السيطرة الميدانية بشكل جذري. فبعد فترة من التمدد الميداني لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي أواخر عام 2025، انقلبت الموازين لصالح قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وذلك إثر سلسلة من المعارك وانسحابات لقوات الانتقالي، مدعومة بتدخل جوي مباشر من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية.

أبرز القوى الفاعلة على الساحة الجنوبية

تتوزع القوى العسكرية في جنوب اليمن بين عدة أطراف رئيسية. على رأسها، قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تضم تشكيلات متنوعة مثل قوات وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية، بالإضافة إلى قوات “درع الوطن” وقوات الطوارئ. في المقابل، تتواجد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى جانب قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، والتي تنتشر على الساحل الغربي.

كما تنشط في الجنوب قوى عسكرية جنوبية أخرى، تاريخيًا كانت تُصنف ضمن المعسكر القريب من أبوظبي، لكنها تحتفظ بهياكل قيادية مستقلة. من أبرز هذه القوى، قوات العمالقة الجنوبية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن أبو زرعة المحرّمي، وقوات النخبة الحضرمية. وقد شهدت الفترة الأخيرة مؤشرات على إعادة تموضع سياسي وعسكري لبعض هذه التشكيلات، بما في ذلك قوات طارق صالح، باتجاه ترتيبات أقرب إلى الرياض، دون أن يعني ذلك قطيعة تامة مع داعميها السابقين.

في الشمال، لا تزال جماعة أنصار الله (الحوثيون) تسيطر على صنعاء ومناطق واسعة، بينما تلعب القوى القبلية والمحلية في محافظات مثل حضرموت والمهرة وشبوة دورًا محوريًا في تحديد التوازنات الميدانية.

تحول سريع في خريطة السيطرة الميدانية

شهدت المحافظات الجنوبية تحولًا جذريًا في موازين القوى الأمنية. ففي عدن، العاصمة المؤقتة، دخلت قوات “درع الوطن” بعد ترتيبات أمنية منظمة، تضمنت تسليم قوات المجلس الانتقالي لمواقعها مؤقتًا لقوات العمالقة الجنوبية. هذا التطور مكن الحكومة اليمنية من استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية حيوية كالمطار والقصر الرئاسي، مؤكدًا سيطرة القوات المدعومة سعوديًا على المفاصل الأمنية الرئيسية.

تكرر المشهد في محافظات أبين ولحج وشبوة، حيث أعلنت قيادات محلية ولاءها للحكومة، مما سمح لقوات “درع الوطن” بالدخول وتجنب مواجهات واسعة. وبحلول 8 يناير، كانت القوات الموالية للرئاسة قد أحكمت سيطرتها على أبين، بينما انضمت القيادات الإدارية والأمنية في لحج لترتيبات الحكومة، وتراجع نفوذ الانتقالي في شبوة.

أما في حضرموت والمهرة، فكان التحول أكثر تعقيدًا. فبعد سيطرة المجلس الانتقالي عليهما لنحو شهر منذ ديسمبر 2025، شنت القوات الحكومية هجومًا معاكسًا في 2 يناير 2026، بدعم جوي سعودي مكثف. وبحلول 4 يناير، استعادت القوات الموالية للحكومة السيطرة على المكلا والمناطق النفطية، وتراجعت قوات الانتقالي. وفي المهرة، استعادت القوات الحكومية الغيضة والمعابر الحدودية الرئيسية، لتعود المحافظتان بالكامل إلى إدارة الحكومة الشرعية خلال أيام قليلة.

الضالع: معقل الانتقالي تحت الضغط

شهدت محافظة الضالع، التي تُعد معقلًا لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي، أعنف التوترات. فبعد أنباء عن مغادرة الزبيدي لعدن، دفع الانتقالي بتعزيزات عسكرية واسعة. وفي فجر 7 يناير، أعلن التحالف السعودي تنفيذ أكثر من 15 ضربة جوية “استباقية” استهدفت تجمعات لقوات الانتقالي في الضالع، بهدف منع تصعيد عسكري محتمل. وقد أسفرت هذه الغارات، وفق تقديرات الانتقالي، عن سقوط نحو 80 قتيلًا وجريحًا في صفوف قواتهم، بالإضافة إلى تدمير آليات عسكرية، وهو ما ندد به المجلس واعتبره “غير مبرر”.

موقف الحكومة اليمنية والتحالفات المستقبلية

تبنت القيادة اليمنية برئاسة رشاد العليمي موقفًا حازمًا، حيث أصدر المجلس الرئاسي في 7 يناير قرارًا بإقالة عيدروس الزبيدي من منصب نائب رئيس المجلس، واتهامه بـ”الخيانة العظمى” لقيامه بـ”تمرد مسلح”. كما أُقيل محافظ عدن أحمد لملس وأُحيل للتحقيق بتهمة تأييد تحركات الزبيدي. ودعت الحكومة إلى ضرورة توحيد القوات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية وإنهاء وجود أي “مليشيات” خارجة عن سيطرة الدولة.

في الوقت نفسه، أكدت الحكومة أن المجلس الانتقالي لا يزال شريكًا مبدئيًا كونه ممثلًا بعضوين في مجلس القيادة الرئاسي، لكنها ميزت بين الشراكة وضرورة التصدي لـ”تمرد” الزُبيدي. ومع تراجع حضور الزبيدي في المشهد، برز عبدالرحمن أبو زرعة المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ونائب رئيس المجلس الانتقالي وقائد قوات العمالقة الجنوبية، كأحد الوجوه الأكثر حضورًا في ترتيبات ما بعد التصعيد، بحكم دوره العسكري واتصالاته السياسية في الرياض.

عودة الخريطة القديمة بشروط جديدة

مقارنة بالوضع الذي كان عليه أواخر عام 2025، تلاشت مكاسب المجلس الانتقالي العسكرية والسياسية بسرعة. فبعد أن فرض واقعًا جديدًا وسيطر على معظم الجنوب، بما في ذلك وادي حضرموت والمهرة، انقلب المشهد مطلع يناير 2026 مع تدخل سعودي مباشر أعاد رسم الخريطة الميدانية. خسر الانتقالي حضرموت والمهرة، وتراجع نفوذه في عدن وشبوة وأبين ولحج، لينحصر حضوره في الضالع ويافع وبعض الجيوب الريفية.

عمليًا، عادت الخريطة إلى ما يشبه ما قبل أغسطس 2019، لكن مع فارق جوهري: انهيار شراكة “اتفاق الرياض” وانعدام الثقة بين الشرعية والانتقالي. ومع أن هذا التحول أضعف الانتقالي ميدانيًا، فإنه لم يُنهِ جذور “القضية الجنوبية”، التي عادت إلى مربعها السياسي بوصفها ملفًا مؤجلًا لا مشروعًا قابلًا للفرض بالقوة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *