الرئيس الصوماليلاندي عبد الرحمن محمد عبد الله ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في هرجيسا
السياسة

اعتراف إسرائيل بصوماليلاند: أبعاد استراتيجية وتداعيات إقليمية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في خطوة دبلوماسية أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت إسرائيل اعترافها بجمهورية صوماليلاند الانفصالية، لتصبح أول دولة تقدم على هذه الخطوة منذ إعلان صوماليلاند استقلالها الذاتي قبل أكثر من ثلاثة عقود. وقد توج هذا الاعتراف بزيارة تاريخية لوزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إلى العاصمة هرجيسا، حيث التقى بالرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، في السادس من يناير 2026.

جاء هذا التطور بعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 26 ديسمبر الماضي، عن الاعتراف الدبلوماسي الكامل بصوماليلاند، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتماشى مع “روح اتفاقيات أبراهام”، المبادرة التي قادتها الولايات المتحدة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

تطلعات صوماليلاند والرفض الإقليمي

لطالما سعت صوماليلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي وتدير عملتها وجيشها وجواز سفرها الخاص، إلى نيل اعتراف دولي كامل، لكن مساعيها باءت بالفشل حتى الآن. ويرى العديد من سكانها أن الاعتراف الإسرائيلي قد يمهد الطريق لدول أخرى لتحذو حذوها، متجاهلين الانتقادات المحتملة للعلاقة مع إسرائيل. وفي هذا السياق، صرح الصحفي والناشط الحقوقي الصومالي، عبد الله مؤمن، لقناة الجزيرة: “لقد دمرت العشائر والميليشيات والفساد الصومال… على الأقل في صوماليلاند حققوا نوعاً من السلام والاستقرار. كثيرون يأملون أن تحذو دول أخرى حذو إسرائيل”.

على الجانب الآخر، قوبل الاعتراف الإسرائيلي بإدانة شديدة من الصومال، الذي يعتبر صوماليلاند جزءاً لا يتجزأ من أراضيه. كما أثار القرار احتجاجات وانتقادات من عشرات الدول والمنظمات، بما في ذلك تركيا والمملكة العربية السعودية والاتحاد الأفريقي. إلا أن وزير الخارجية الإسرائيلي، ساعر، أكد خلال زيارته لهرجيسا أن إسرائيل لن تتراجع عن قرارها، قائلاً: “نسمع الهجمات والانتقادات والإدانات. لن يحدد أحد لإسرائيل من نعترف به ومن نحافظ على علاقات دبلوماسية معه”.

الموقع الاستراتيجي والأبعاد الجيوسياسية

تتزايد التكهنات حول الدوافع الحقيقية وراء قرار إسرائيل بالاعتراف بصوماليلاند، ويشير المحللون إلى موقعها الاستراتيجي الهام عند تقاطع البحر الأحمر والمحيط الهندي. يقع ميناء بربرة في صوماليلاند بالقرب من بعض أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، والتي تعرضت لهجمات من قبل حركة الحوثيين اليمنية، خصم إسرائيل اللدود، خلال العامين الماضيين.

يرى المفاوض الإسرائيلي السابق للسلام، دانييل ليفي، أن هذه العوامل كانت حاسمة في قرار إسرائيل، مضيفاً أن حكومة نتنياهو استفادت أيضاً من الإيحاء بأن صوماليلاند قد تستقبل فلسطينيين أجبروا على النزوح من غزة. ومع ذلك، يشك ليفي في أن طموحات إسرائيل قد تكون أوسع، بما في ذلك زيادة قيمة البلاد لراعيها الرئيسي، الولايات المتحدة، من خلال تأمين حليف في منطقة ذات أهمية استراتيجية.

ويرى ليفي أن الديناميكية الرئيسية تكمن في “الزخم”. فبمجرد الالتزام بمثل هذه اللعبة، يجب الاستمرار في اتخاذ خطوات إضافية: المزيد من الطائرات، المزيد من الوجود، المزيد من التحركات. كما أشار إلى توقيت الخطوة، التي جاءت قبل وقت قصير من اجتماع نتنياهو مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 29 ديسمبر، مما يشير إلى محاولة إسرائيل لترسيخ مكانتها في الأجندة الأمريكية، وتصورها للمنافسة بين القوى العظمى في القرن الأفريقي، خاصة مع الصين التي تحتفظ بقاعدة في جيبوتي المجاورة.

توسيع مسرح الصراع أم استراتيجية بعيدة المدى؟

يربط العديد من المراقبين الاعتراف بصوماليلاند باستراتيجية إسرائيل الأوسع في المنطقة، خاصة في ظل حربها المستمرة على غزة وهجماتها على دول إقليمية مثل لبنان وإيران وسوريا واليمن وقطر. ويُنظر إلى هذه الخطوات كمحاولة لتصوير إسرائيل – بدعم أمريكي – كقوة مهيمنة إقليمياً، غير مهتمة بالحلول الوسط مع خصومها.

ومع ذلك، يرى البعض أن هذه الخطوة قد لا تحظى باهتمام كبير داخل إسرائيل نفسها. فقد صرح ألون بينكاس، السفير والقنصل العام الإسرائيلي السابق في نيويورك، لقناة الجزيرة: “الإسرائيليون لا يعرفون ما هي صوماليلاند أو أين تقع. إنها ليست قضية في إسرائيل”. وأضاف أن الأخبار الأولى حول الاعتراف كانت مصحوبة بخرائط تظهر القرن الأفريقي والبحر الأحمر وموقعها عبر خليج عدن، مما يدل على عدم دراية الجمهور الإسرائيلي بالمنطقة. ورفض بينكاس فكرة أن إسرائيل قد ترسل قوات إلى هناك، معتبراً أن هذه الخطوة هي جزء من استراتيجية نتنياهو المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 لتوسيع مسرح الصراع ليشمل لبنان وسوريا واليمن وإيران، والآن صوماليلاند، دون أي منطق آخر سوى “المضي قدماً دائماً”.

يبقى الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند تطوراً معقداً يحمل في طياته أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية عميقة، ومن المرجح أن تكون له تداعيات بعيدة المدى على استقرار منطقة القرن الأفريقي والعلاقات الإقليمية والدولية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة