مقدمة: الخليج على مفترق طرق اقتصادي
يشهد المشهد الاقتصادي لدول الخليج تحولات جذرية ومتسارعة، مدفوعة بتراجع الاعتماد على الإيرادات النفطية كمحرك رئيسي للإنفاق الحكومي. هذا التوجه نحو تنويع مصادر الدخل وترشيد الدعم يضع المنطقة على مفترق طرق اقتصادي جديد، لكنه يثير تساؤلات حول تأثيراته المباشرة على القدرة الشرائية ومستوى معيشة المواطن الخليجي.
البحرين نموذجاً: إصلاحات اقتصادية وتداعيات معيشية
تُعد البحرين مثالاً بارزاً لهذه التحولات، حيث تبنت حزمة من الإجراءات الإصلاحية لضبط ماليتها العامة. شملت هذه الإجراءات رفع أسعار الوقود، وتعديل تعرفة الكهرباء والمياه، وزيادة مساهمات الشركات الحكومية في الميزانية، بالإضافة إلى التوجه نحو فرض ضريبة على دخل الشركات المحلية. وقد أظهرت الأرقام الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون في أبريل 2025 ارتفاعاً ملموساً في تكاليف المعيشة، حيث سجلت مجموعة السكن زيادة بنسبة 5.3%، والسلع والخدمات 3.4%، والتعليم 1.0%، والأغذية والمشروبات 0.9%، والمطاعم والفنادق 0.8%، والصحة 0.6%، والملابس والأحذية 0.1%.
تأتي هذه الخطوات في سياق محدودية الموارد النفطية للبحرين مقارنة بجيرانها، وتأثرها بتقلبات الأسعار العالمية، مما دفعها لتعزيز قطاعات بديلة كالسياحة والخدمات المالية واللوجستية. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجيات رافقتها زيادة في أعباء المعيشة، خاصة في أسعار الطاقة والخدمات الأساسية، في ظل تحديات مستمرة تتعلق بمستويات الدخل وفرص العمل.
رؤى الخبراء: ضرورة الإصلاح وتحديات التوازن
يؤكد الدكتور أحمد الخزاعي أن الإجراءات البحرينية تندرج ضمن مساعٍ أوسع للحكومات لضبط أوضاعها المالية. ويرى أن رفع أسعار الوقود والكهرباء يهدف إلى تقليص العجز وضمان استدامة الموازنات العامة في ظل تراجع الإيرادات النفطية. ويشير الخزاعي إلى أن هذه السياسات ليست استثنائية، بل تعكس توجهاً عالمياً لإعادة هيكلة الدعم وتوجيهه نحو الفئات الأكثر استحقاقاً، مع تقليل الهدر. ويوضح أن الأسعار المدعومة بشكل مصطنع تؤدي إلى استهلاك مفرط وتكاليف باهظة تتحملها الدولة، بينما يساهم تحرير الأسعار في ترشيد الاستهلاك وتخفيف الضغط على المالية العامة، مما يفتح آفاقاً للاستثمار في قطاعات إنتاجية مستدامة.
لكن الخزاعي يحذر من أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين ضبط المالية العامة وعدم تحميل المواطن العبء الأكبر، خاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وتراجع القدرة الشرائية. ويشدد على أن نجاح أي إصلاح يتطلب وجود شبكات حماية اجتماعية قوية، كالدعم المباشر للفئات محدودة الدخل، وتنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجي ومدروس لتعزيز الاستدامة المالية وتقليل المخاطر الاجتماعية.
سوق العمل الخليجي: أرقام البطالة والحد الأدنى للأجور
تُظهر بيانات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي صورة معقدة تتطلب قراءة متأنية. ففي الربع الرابع من عام 2024، سجلت السعودية أعلى معدل بطالة بين دول المجلس بنسبة 3.5%، بينما كانت قطر الأقل بنسبة 0.1%. وبلغ إجمالي عدد المواطنين العاملين في دول المجلس حوالي 5.5 مليون عامل وعاملة، بنمو سنوي قدره 2.7%. واستحوذت السعودية على نحو 73.9% من إجمالي المواطنين العاملين، تلتها سلطنة عُمان بنسبة 15.6%.
وتشير بيانات Trading Economics لعام 2025 إلى تفاوت في معدلات البطالة: 0.1% في قطر، 1.5% في عُمان، 2.1% في الكويت، 2.13% في الإمارات، 3.4% في السعودية، و6.3% في البحرين (الأعلى خليجياً).
إلا أن هذه الأرقام لا تكشف وحدها حجم الضغط الاقتصادي دون النظر إلى مستويات الحد الأدنى للأجور. ففي السعودية، يبلغ الحد الأدنى لأجور المواطنين في القطاع الخاص 4,000 ريال شهرياً (حوالي 1066 دولاراً)، بينما قررت الإمارات تطبيق حد أدنى قدره 6,000 درهم (حوالي 1633 دولاراً) اعتباراً من يناير 2026. وفي الكويت، يبلغ الحد الأدنى القانوني 750 ديناراً (حوالي 2435 دولاراً)، وحددت قطر 1,000 ريال (274 دولاراً) بالإضافة إلى بدل سكن وطعام. أما سلطنة عُمان والبحرين، فحددا الحد الأدنى عند 325 ريالاً (844 دولاراً) و300 دينار (795 دولاراً) على التوالي. هذه التباينات تؤكد أن انخفاض معدلات البطالة لا يترجم بالضرورة إلى تحسن في القدرة المعيشية، في ظل فجوة متزايدة بين الدخول الاسمية وتكاليف الحياة اليومية.
فجوة الدخل وتكاليف المعيشة: عوامل محلية وعالمية
في ظل التضخم وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء العالمية، تبرز فجوة الدخل وتكاليف المعيشة كأحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية في الخليج. يرى الخبير الاقتصادي خلفان الطوقي أن هذه الفجوة “مرشحة للظهور بوضوح في عدد من دول الخليج”، خاصة مع غياب برامج الدعم الأساسية للبترول والكهرباء والمياه والمواد الغذائية. ويحذر الطوقي من تزايد خطورة هذه الفجوة مع ارتفاع معدلات البطالة المتوقعة نتيجة لزيادة أعداد الخريجين، مما قد يدفع الحكومات لتبني سياسات خفض الرواتب لتعزيز التنافسية واستيعاب طالبي العمل. ومع ذلك، يؤكد أن التنافسية لا يمكن تحقيقها بخفض الرواتب بمعزل عن حزم دعم متكاملة للقطاعات الأساسية.
من جانبه، يقدم الدكتور الخزاعي تحليلاً هيكلياً، معتبراً أن الفجوة تعكس طبيعة الاقتصادات الخليجية المعتمدة على الاستيراد، وقدرتها المحدودة على خلق قيمة مضافة محلياً. ويوضح أن هذه الاقتصادات تظل عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، لا سيما في الغذاء والطاقة والخدمات اللوجستية، مما يخلق تبايناً مستمراً بين دخل المواطن وتكاليف حياته. وقد تفاقمت هذه الضغوط بفعل الأزمات الجيوسياسية والحروب، التي أدت إلى اضطرابات في الممرات البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة. ويختتم الخزاعي بالتأكيد على أن الفجوة بين الدخل والمعيشة في الخليج “أصبحت انعكاساً مباشراً لتحديات عالمية بقدر ما هي نتاج سياسات محلية”، في اقتصادات يشكل فيها الاستيراد ركيزة أساسية لتلبية الطلب المحلي.
خاتمة: توازن دقيق لمستقبل مستدام
إن دول الخليج تمر بمرحلة مفصلية تتطلب توازناً دقيقاً بين تحقيق الاستدامة المالية وتنويع الاقتصادات، وبين ضمان رفاهية المواطن وحماية قدرته الشرائية. التحديات كبيرة، لكن الفرصة متاحة لبلورة نماذج اقتصادية أكثر مرونة وشمولية، تستجيب للمتغيرات العالمية وتطلعات المجتمعات المحلية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







