شكلت الأنباء المتداولة حول اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، على أيدي قوات أميركية، محور اهتمام واسع في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، حيث عكست التصريحات الرسمية والتحليلات الأمنية رؤية استراتيجية ترى في هذا التطور ما يتجاوز الساحة الفنزويلية ليطال توازنات أوسع في المواجهة مع إيران وحلفائها.
موقف إسرائيل الرسمي: رؤية استراتيجية أبعد من فنزويلا
في مستهل جلسة أسبوعية للحكومة الإسرائيلية، صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن العملية الأميركية جاءت “لإعادة الحرية والعدالة إلى هذا الجزء من العالم أيضاً”. وتحدث نتنياهو عن “تحوّل” في قارة أميركا اللاتينية، حيث تعود دول عدة، بحسب وصفه، إلى “المحور الأميركي”، في مسار قال إنه ينعكس أيضاً في تجديد العلاقات مع إسرائيل. من جانبه، أعاد وزير الخارجية جدعون ساعر نشر خطاب سابق له في البرلمان الباراغوياني، تناول فيه تآكل الشرعية الديمقراطية في عدد من دول أميركا اللاتينية، وتحولها إلى منصات نفوذ لقوى معادية للغرب، وفي مقدمتها إيران.
فنزويلا كبوابة للنفوذ الإيراني: تحليل أمني إسرائيلي
ترى الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل أن اعتقال مادورو يشكّل ضربة مباشرة لما تعتبره إحدى أهم بوابات النفوذ الإيراني خارج الشرق الأوسط. فوفق هذه القراءة، لم تكن فنزويلا مجرد حليف سياسي لطهران، بل منصة استراتيجية أتاحت لإيران وحزب الله العمل في فضاء جغرافي بعيد عن ساحات المواجهة التقليدية، وقريب في الوقت نفسه من الولايات المتحدة. على مدى سنوات، تعاملت إسرائيل مع فنزويلا باعتبارها مركز ثقل في الاستراتيجية الإيرانية بأميركا اللاتينية، حيث أقام النظام الذي أسسه هوغو تشافيز وواصله مادورو، شراكة وثيقة مع طهران شملت تعاوناً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واسعاً. هذا التعاون، بحسب تقديرات إسرائيلية، لم يبقَ في الإطار الرسمي، بل سمح ببناء بنى تحتية مالية ولوجستية، وتوفير تسهيلات قانونية وإدارية سهّلت حركة عناصر إيرانية وأخرى مرتبطة بحزب الله داخل القارة.
الشراكة العسكرية والاستراتيجية: طائرات مسيّرة ومحور المقاومة
في هذا السياق، أكدت ساريت زهافي، رئيسة “معهد ألما” للدراسات الأمنية، في حديث خاص لقناة “الحرة”، أن إيران رأت في فنزويلا شريكاً مركزياً في مشروعها القائم على بناء شبكة وكلاء ونقاط ارتكاز خارج الشرق الأوسط، وبوابة استراتيجية باتجاه الولايات المتحدة. ووفق زهافي، لم تنظر طهران إلى كاراكاس فقط كسوق لتصريف السلاح، بل كحلقة أساسية في مشروع “البروكسي” الإيراني. وأشارت زهافي إلى أن إيران زوّدت فنزويلا بطائرات مسيّرة، وأن نماذج من هذه المسيّرات الإيرانية ظهرت علناً في عروض عسكرية فنزويلية قبل سنوات، من النوع نفسه الذي استُخدم لاحقاً في الحرب في أوكرانيا، ما يعكس مستوى متقدماً من الشراكة العسكرية. ولتأكيد عمق العلاقة، لفتت زهافي إلى صورة دعائية صدرت عن مكتب المرشد الإيراني قبل سنوات، ضمّت قادة تعتبرهم طهران جزءاً من “محور المقاومة”، من بينهم إسماعيل هنية، حسن نصر الله، زياد النخالة، وقيادات حوثية، وفي طرف الصورة ظهر مادورو، غير المسلم الوحيد فيها، ما اعتبرته رسالة سياسية متعمدة تعكس موقع فنزويلا داخل الرؤية الإيرانية.
تداعيات الاعتقال: نهاية النفوذ الإيراني أم تراجع تدريجي؟
نقلت صحيفة “هآرتس” عن تقديرات أمنية إسرائيلية أن فنزويلا تحولت على مدى أعوام إلى جزء من منظومة التفاف إيرانية على العقوبات الدولية، شملت تجارة نفط غير رسمية وتشغيل “أساطيل ظل” بالتنسيق مع روسيا، إلى جانب تبادل خدمات اقتصادية وتقنية مكّنت طهران من الحفاظ على تدفق مواردها. كما قدّرت هذه المصادر استفادة عناصر من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله من تسهيلات محلية أتاحت لهم الحصول على وثائق سفر والتنقل بحرية نسبية داخل أميركا اللاتينية. ورغم أهمية ما جرى، تحذّر زهافي، في حديثها مع “الحرة”، من الاعتقاد بأن نفوذ إيران في فنزويلا انتهى فوراً مع سقوط مادورو. برأيها، هذا النفوذ سيتراجع تدريجياً، وقد يستغرق الأمر وقتاً، خصوصاً في ظل وجود شبكات قائمة ومصالح متشابكة. لكنها تشدد على أن فنزويلا كانت الدولة الأكثر أهمية لطهران في أميركا اللاتينية، وأن استبدال الحكم بسلطة غير مستعدة لشراء السلاح الإيراني أو منح طهران موطئ قدم سياسياً وأمنياً يمكن أن يغيّر الصورة الاستراتيجية بالكامل.
في المحصلة، لا تنظر إسرائيل إلى اعتقال مادورو كحدث معزول، بل كحلقة إضافية في صراع دولي أوسع مع إيران ومحورها. ومن الموقف الحكومي الذي عبّر عنه نتنياهو، إلى التعزيز الدبلوماسي الذي قدّمه ساعر، وصولاً إلى التقديرات الأمنية التي عُرضت، تتبلور رواية إسرائيلية واحدة ترى في فنزويلا ساحة بعيدة جغرافياً، لكنها شديدة القرب في حسابات الصراع الإقليمي والدولي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







