تصعيد غير مسبوق: هل تتجه كولومبيا نحو مصير فنزويلا؟
شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وكولومبيا توتراً غير مسبوق مؤخراً، إثر تصريحات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي جاءت في أعقاب عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته. هذه التطورات أثارت تساؤلات جدية حول مستقبل الشراكة التاريخية بين واشنطن وبوغوتا، وإمكانية أن تواجه كولومبيا مصيراً مشابهاً لجارتها فنزويلا.
لهجة أمريكية حادة وتهديدات مبطنة
خلال حديثه للصحافيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية، وصف الرئيس ترامب كولومبيا بأنها “بلد مريض جداً” تحكمه “قيادة مريضة تحب صنع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة”. وعند سؤاله عن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية ضد كولومبيا، أجاب ترامب بأن ذلك “يبدو أمراً جيداً بالنسبة لي”.
تأتي هذه التصريحات استمراراً لاتهامات ترامب المتكررة لكولومبيا بأنها مصدر رئيسي للمخدرات التي تصل إلى السوق الأمريكية. وفي أواخر عام 2025، كان قد صعد لهجته في ملف مكافحة المخدرات، محذراً من أن أي دولة تهرب مخدرات إلى الولايات المتحدة قد تكون عرضة لهجوم عسكري، دون استبعاد كولومبيا من هذا الطرح.
رد كولومبي حازم: رفض للتهديدات وتأكيد للسيادة
لم تتأخر بوغوتا في الرد على التصريحات الأمريكية. فقد أصدرت وزارة الخارجية الكولومبية بياناً رسمياً وصفت فيه تعليقات ترامب بأنها “تهديد غير مقبول ضد رئيس منتخب”، واعتبرتها تدخلاً غير مبرر في الشؤون الداخلية لكولومبيا وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. وأكد البيان رفض كولومبيا القاطع لأي محاولة للمساس بسيادتها، مشدداً على وقوف الحكومة موحدة خلف رئيسها.
من جانبه، رد الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو عبر منصة إكس، نافياً اتهامات ترامب بشأن تجارة المخدرات، ومؤكداً أن تهديد سيادة بلاده يعد “إعلان حرب”. وأشار بيترو إلى أن كولومبيا تدمر “معملاً لإنتاج المخدرات كل 40 دقيقة، من دون صواريخ”، في إشارة إلى اعتماد حكومته على وسائل داخلية لمكافحة هذه التجارة. وحذر الرئيس الكولومبي من أن أي عمل عسكري أجنبي ضد بلاده من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وإشعال غضب شعبي واسع، مؤكداً أن كولومبيا دولة ذات سيادة وأن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. كما أكد أن أي قائد عسكري يفضل علم الولايات المتحدة على علم كولومبيا سيُحال فوراً إلى التقاعد.
تاريخ من التحالف: تحولات في العلاقات الأمريكية الكولومبية
تتميز العلاقات الأمريكية-الكولومبية بتاريخ طويل من التعاون الوثيق يمتد لنحو 200 عام. لطالما اعتبرت الولايات المتحدة كولومبيا حليفاً استراتيجياً مهماً في أمريكا اللاتينية، وقدمت واشنطن مساعدات مالية ضخمة ضمن خطط المساعدات الأمنية ومكافحة المخدرات، أبرزها خطة “بلان كولومبيا” التي انطلقت عام 2000. وقد ساهم هذا التعاون في تعزيز قدرات الدولة الكولومبية في مواجهة جماعات مسلحة وصراعات داخلية معقدة، كما تعززت الروابط الاقتصادية بدخول اتفاق التجارة الحرة حيز التنفيذ عام 2012.
وفي عام 2016، حظي اتفاق السلام مع متمردي “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” (فارك) بدعم واضح من الولايات المتحدة. وفي عام 2022، منحت الولايات المتحدة كولومبيا صفة “حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)”، مؤكدة على أهمية شراكتها.
لكن وصول الرئيس اليساري غوستافو بيترو إلى السلطة في كولومبيا عام 2022 مثل تحولاً عن نهج أسلافه المقربين من الولايات المتحدة، خاصة في ما يتعلق بسياسات مكافحة المخدرات. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس بيترو، متهمةً إدارته بالفشل في كبح تهريب المخدرات والسماح لعصابات الاتجار بها “بالازدهار”. وشملت العقوبات أيضاً وزير الداخلية وزوجة الرئيس وابنه الأكبر. كما أعلنت واشنطن سحب تصنيف كولومبيا كحليف في “الحرب على المخدرات”، وهو ما ردت عليه بوغوتا بالإعلان عن وقف شراء الأسلحة الأمريكية. وبرزت الخلافات بشكل خاص حول الضربات الأمريكية لقوارب يُشتبه باستخدامها في تهريب المخدرات في البحر الكاريبي، والتي وصفها بيترو بأنها “أعمال قتل”.
كولومبيا: ثروات طبيعية واقتصادية وتحديات الكوكايين
تزخر كولومبيا بثروات طبيعية متنوعة جعلتها من الاقتصادات ذات الوزن في أمريكا اللاتينية. تمتلك البلاد احتياطات نفطية مهمة، وتعد من كبار مصدّري الفحم الحراري عالمياً، بالإضافة إلى موارد معدنية مثل الذهب والزمرد. على صعيد الزراعة، تشتهر كولومبيا عالمياً بإنتاج البن عالي الجودة، وهي ثالث أكبر منتج له عالمياً، كما تزدهر فيها زراعات أخرى للتصدير مثل الزهور والموز وقصب السكر.
إلا أن هذا المشهد الاقتصادي لا يكتمل دون الإشارة إلى الجانب غير المشروع المرتبط بإنتاج الكوكايين. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، تعد كولومبيا من أكبر منتجي الكوكايين في العالم، حيث تنتشر زراعات نبتة الكوكا في مناطق واسعة. وقد بلغ إنتاج الكوكايين مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، رغم جهود المكافحة، مما يشكل عاملاً مؤثراً في المشهدين الأمني والسياسي ومصدراً دائماً للتوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة.
مع تصاعد حدة التوتر وتبادل الاتهامات، يبقى السؤال مفتوحاً حول مسار العلاقات الأمريكية-الكولومبية، وإذا ما كانت هذه الأزمة ستدفع بوغوتا نحو مسارات جديدة، أم ستجد طريقاً لتجاوز هذا المنعطف الحرج.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







