ببالغ الحزن والأسى، ودعت الساحة الإعلامية العربية قامة صحفية بارزة، الإعلامي الأردني الكبير جميل عازر، الذي وافته المنية في الثالث من يناير 2026 بلندن عن عمر يناهز 89 عاماً. يُعد عازر أحد الرواد الذين تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الإعلامي العربي، سواء عبر مسيرته الطويلة في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أو كأحد المؤسسين الرئيسيين لقناة الجزيرة الفضائية.
مسيرة حافلة: من الأردن إلى أثير بي بي سي
وُلد جميل عازر عام 1937 في بلدة الحصن بمحافظة إربد شمال الأردن، حيث نشأ في بيئة عائلية تشجع على التعليم والمعرفة. أظهر منذ صغره اهتماماً بالغاً بالقراءة والاطلاع على الشؤون العامة والسياسة، وهو ما غرس فيه شغفاً مبكراً قاده لاحقاً إلى عالم الإعلام. في منتصف الستينيات من القرن الماضي، التحق عازر بالقسم العربي في بي بي سي، حيث بدأ مسيرته كمترجم ومعد برامج، ثم تدرج ليتبوأ مناصب تحريرية وإخراجية. على مدى ثلاثة عقود قضاها في “هنا لندن”، صقل عازر مهاراته المهنية ليصبح مرجعاً لزملائه في الدقة اللغوية والتحليل السياسي العميق، مما هيأه لدوره المحوري اللاحق في تأسيس إحدى أبرز القنوات الإخبارية العربية.
جميل عازر والجزيرة: صياغة هوية إعلامية رائدة
عند تأسيس قناة الجزيرة في الدوحة عام 1996، كان جميل عازر في طليعة الفريق المؤسس الذي رسم ملامحها. لقد لعب دوراً محورياً في صياغة الهوية الصحفية للقناة، ووضع الخطوط التحريرية واستراتيجيات التغطية الإخبارية، وأسهم بشكل مباشر في تحديد البرامج الرئيسية التي ميزت الجزيرة عن غيرها من القنوات العربية. من أبرز إسهاماته التي لا تُنسى، اقتراحه وصياغته للشعار الأيقوني للقناة: “الرأي والرأي الآخر”، الذي أصبح فيما بعد علامة فارقة للصحافة العربية في تبني مبدأ تعددية الآراء ومناقشة القضايا الحساسة. لم يقتصر دور جميل عازر على العمل في التحرير والإعداد، بل كان أيضاً من أبرز المذيعين الذين قدموا برامج تحليلية وإخبارية، بما فيها البرنامج الأسبوعي الشهير “الملف الأسبوعي”.
إرث من المهنية والمصداقية
تميز جميل عازر بأسلوبه الهادئ والرصين، ولغته العربية الفصيحة والسليمة، مما جعله نموذجاً للإعلامي المحترف الذي يوازن ببراعة بين التقديم الإخباري والتحليل السياسي العميق. كان يعتمد دائماً على مصادر موثوقة ويحرص على تدقيق المعلومات قبل البث، ما أكسب اسمه مرادفاً للمصداقية في أذهان المشاهدين. بالإضافة إلى ذلك، اضطلع بدور بارز في تدريب وتوجيه أجيال من الإعلاميين العرب الذين عملوا لاحقاً في شبكات إعلامية مختلفة، ناشراً ثقافة العمل المهني وأخلاقيات الإعلام.
تأثير مستمر وفراغ لا يملأ
حتى بعد تقاعده عن العمل اليومي في القناة، ظل جميل عازر قارئاً نهماً ومتتبعاً دقيقاً للشأن السياسي والاجتماعي العربي والدولي، واستمر في تقديم تحليلاته وملاحظاته لزملائه الإعلاميين والطلاب والصحفيين الشباب الراغبين في تعلم أسرار المهنة. لقد ترك رحيل جميل عازر فراغاً كبيراً في الساحة الإعلامية العربية، وقد نعاه زملاؤه في الجزيرة وعدد كبير من المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية، واصفين إياه بأنه “رمز المهنية والرصانة”. شدد الجميع على أن وفاته تمثل فقداناً لأحد أعمدة الصحافة العربية التي ساعدت على تطوير الإعلام التلفزيوني وجعله أكثر قدرة على نقل الحقيقة، مؤكدين أن إرثه سيستمر من خلال البرامج التي أسسها والأجيال التي دربها، والتي ستواصل العمل وفق المبادئ المهنية التي دافع عنها طوال حياته.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







