تشهد كولومبيا حالة من التأهب القصوى والقلق البالغ بعد الإطاحة بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد القوات الأمريكية، في حدث وصفه المحللون بأنه قد يحمل تداعيات بعيدة المدى على المنطقة.
وقد أدانت الحكومة الكولومبية الهجمات الأمريكية التي استهدفت فنزويلا فجر السبت، وشملت ضربات على أهداف عسكرية واعتقال مادورو، معلنة عن خطط لتعزيز حدودها الشرقية البالغ طولها 2219 كيلومتراً، والتي تُعرف تاريخياً بأنها بؤرة للتمرد وإنتاج الكوكايين.
تداعيات أمنية محتملة على الحدود
يحذر محللون أمنيون من أن عزل مادورو قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الأمني المتدهور أصلاً في كولومبيا. وتتركز المخاوف بشكل خاص حول جيش التحرير الوطني (ELN)، أكبر قوة متمردة متبقية في البلاد، والذي كان قد أعلن في ديسمبر عن استعداده للدفاع عن البلاد ضد أي “تدخل إمبريالي”.
ويعتبر محللون أن الخطر الأمني الرئيسي لكولومبيا بعد هذه الهجمات ينبع من جيش التحرير الوطني، الذي يسيطر على معظم الحدود مع فنزويلا. وفي هذا الصدد، صرحت إليزابيث ديكنسون، نائبة مدير أمريكا اللاتينية في مجموعة الأزمات الدولية، بأن “هناك خطراً كبيراً الآن من أن يفكر جيش التحرير الوطني في الانتقام، بما في ذلك هنا في كولومبيا، ضد أهداف غربية”.
يُعرف جيش التحرير الوطني بتورطه الكبير في تهريب الكوكايين ونشاطه على جانبي الحدود، وقد استفاد من علاقاته مع حكومة مادورو. ويهدد التدخل الأمريكي عملياته العابرة للحدود. وقد صعّد التنظيم، الذي يعتبر نفسه حصناً ضد الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، من عنفه رداً على تهديدات البيت الأبيض ضد كولومبيا وفنزويلا، حيث أمر في ديسمبر الكولومبيين بالبقاء في منازلهم وقصف منشآت حكومية في جميع أنحاء البلاد، واصفاً ذلك بأنه رد على العدوان الأمريكي.
وقد عززت الحكومة الكولومبية إجراءاتها الأمنية تحسباً لأي أعمال انتقامية محتملة من قبل جيش التحرير الوطني بعد إزاحة مادورو. وجاء في بيان صادر عن وزارة الدفاع الكولومبية صباح السبت: “تم تفعيل جميع قدرات قوات الأمن لحماية السكان والأصول الاستراتيجية والسفارات والوحدات العسكرية والشرطية، من بين أمور أخرى، وكذلك لمنع أي محاولة عمل إرهابي من قبل المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، مثل كارتل جيش التحرير الوطني”.
مخاوف من موجات لجوء جماعية
بالإضافة إلى المخاوف من تصاعد العنف، تستعد كولومبيا أيضاً لتحمل العبء الأكبر لأي أزمة هجرة قد تنجم عن الصراع في فنزويلا. وقد أعلن الرئيس غوستافو بيترو، في منشور على منصة X صباح السبت، أن الحكومة عززت الإمدادات الإنسانية على حدودها الشرقية، مؤكداً: “تم نشر جميع موارد المساعدة المتاحة لدينا في حال حدوث تدفق جماعي للاجئين”.
حتى الآن، استقبلت كولومبيا أكبر عدد من اللاجئين الفنزويليين في جميع أنحاء العالم، حيث استقر ما يقرب من 3 ملايين من أصل حوالي 8 ملايين شخص غادروا البلاد في كولومبيا. وقد تطلبت الموجة السابقة من الهجرة الجماعية في عام 2019، التي أعقبت محاولة زعيم المعارضة خوان غوايدو الفاشلة للإطاحة بمادورو، عملية إنسانية ضخمة لتوفير المأوى والغذاء والرعاية الطبية للاجئين.
ومن المرجح أن تكون مثل هذه العملية أكثر صعوبة الآن، حيث فقدت كولومبيا ما يقرب من 70 بالمائة من جميع التمويلات الإنسانية بعد إغلاق إدارة ترامب لبرامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في البلاد العام الماضي. وقال خوان كارلوس فيلوريا، أحد قادة الشتات الفنزويلي في كولومبيا: “هناك احتمال حقيقي لحركة سكانية قصيرة الأجل، احترازية وقسرية على حد سواء، خاصة إذا ظهر عدم الاستقرار أو الانتقام أو فراغات السلطة”. وأضاف فيلوريا: “يجب على كولومبيا أن تستعد بشكل استباقي من خلال تفعيل آليات الحماية والممرات الإنسانية وأنظمة اللجوء، ليس فقط للاستجابة للوافدين المحتملين، ولكن لمنع الفوضى وانتهاكات حقوق الإنسان على الحدود”.
توتر العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة
يقول المحللون إن إزاحة مادورو تثير تساؤلات صعبة للرئيس بيترو، الذي انخرط في حرب كلامية مع ترامب منذ توليه منصبه العام الماضي. وقد أثار الزعيم الكولومبي غضب ترامب في الأشهر الأخيرة عندما أدان الحشد العسكري لواشنطن في منطقة الكاريبي وزعم مقتل صياد كولومبي في المياه الإقليمية. ورداً على ذلك، فرض البيت الأبيض عقوبات على بيترو، ووصفه ترامب بأنه “بلطجي” و”تاجر مخدرات غير قانوني”.
وعلق سيرجيو غوزمان، مدير شركة كولومبيا لتحليل المخاطر في بوغوتا، قائلاً: “بيترو غاضب في الوقت الحالي لأنه يرى أن ترامب وتهديداته لم تعد فارغة، بل أصبحت احتمالات حقيقية”. وبالفعل، ألمح ترامب في مناسبات متعددة إلى ضربات عسكرية ضد مواقع إنتاج المخدرات في كولومبيا. ومع ذلك، يقول الخبراء إنه من غير المرجح أن يتخذ البيت الأبيض إجراءً أحادياً نظراً لتعاونه التاريخي مع قوات الأمن الكولومبية.
وعلى الرغم من إدانة بيترو لتدخل واشنطن في فنزويلا، إلا أنه وصف مادورو سابقاً بأنه “ديكتاتور” وانضم إلى الولايات المتحدة ودول أخرى في رفض الاعتراف بإعادة انتخابه الرئاسية “المزورة” في عام 2024. وقد وضع الزعيم الكولومبي نفسه كمدافع عن السيادة الوطنية والقانون الدولي بدلاً من دعم مادورو.
ودعا بيترو يوم السبت إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي انضمت إليه كولومبيا كعضو مؤقت قبل أيام قليلة. وكتب الرئيس في منشور على منصة X: “تؤكد كولومبيا التزامها غير المشروط بالمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







