خريطة توضيحية لموقع إقليم كردفان الاستراتيجي في السودان
منوعات

كردفان: قلب السودان النابض في عين العاصفة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يُعد إقليم كردفان السوداني، بموقعه الاستراتيجي وتاريخه العريق، إحدى أبرز الساحات التي تشهد تصعيداً عسكرياً متواصلاً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فبعد أن كان يُنظر إليه كعمق جغرافي هادئ نسبياً، تحول الإقليم إلى مسرح لمواجهات مفتوحة، مع انتقال ثقل العمليات العسكرية من العاصمة ومحيطها إلى الأقاليم الوسطى. هذا التحول يعكس إدراك طرفي النزاع لأهمية كردفان كحلقة وصل حيوية وممر أساسي لطرق الإمداد والتجارة بين شمال السودان وغربه وجنوبه.

الموقع والأهمية الجغرافية والاقتصادية

يشغل إقليم كردفان المنطقة الوسطى والجنوبية من السودان، ويمتد على مساحة شاسعة تبلغ نحو 390 ألف كيلومتر مربع، محاطاً بدارفور غرباً ووادي نهر النيل الأبيض شرقاً. يتميز الجزء الشمالي منه بطبيعته الصحراوية ذات التربة الرملية، مع انتشار أشجار السنط والحشائش الصحراوية. أما الجزء الجنوبي، فيتسم بكونه سهل طيني مستوٍ أو متموج بلطف، تتخلله جبال النوبة الجرانيتية التي ترتفع إلى نحو 900 متر، وتوفر مصادر مياه نسبياً أفضل وغطاءً نباتياً أكثر كثافة.

اقتصادياً، لطالما لعب كردفان دوراً محورياً في تحقيق الأمن الغذائي للبلاد، بفضل اعتماده على الزراعة المطرية وتربية الماشية. ويهدد تعطيل هذا الدور جراء الحرب بتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية على مستوى السودان بأكمله. ففي الشمال، حيث ندرة المياه تحد من الإنتاج الزراعي، تنتشر حرف رعي الإبل والأغنام والماعز، إلى جانب الصناعات التقليدية كالجلود ونسج السجاد. بينما يُعد جنوب كردفان أكثر إنتاجية زراعياً، حيث تُزرع الحبوب والقطن والسمسم والذرة الرفيعة والصمغ العربي، وتزدهر فيه صناعات محالج القطن ومعاصر البذور الزيتية ومصانع الصابون.

لمحة تاريخية: من الجذور النوبية إلى الحكم الثنائي

يعود تاريخ إقليم كردفان إلى عصور قديمة، حيث كان مأهولاً بشعوب نوبية سمراء البشرة. ويُعتقد أن اسم الإقليم مشتق من الكلمة النوبية “كورتا” التي تعني “الرجال”. شهد الإقليم فترات سيطرة مختلفة، من سلالة تونغور المسيحية إلى كونه جزءاً من إمبراطورية كانم–برنو الأفريقية التجارية. وبحلول القرن الرابع عشر، انتشرت القبائل العربية البدوية القادمة من مصر في أنحاء كردفان، لتختلط ببعض السكان الأصليين، بينما دُفعت بقايا هؤلاء السكان إلى المناطق الجبلية.

في القرن السابع عشر، تأسست سلطنة المسابعات في الإقليم. وخلال القرن الثامن عشر، تنازع سلاطين الفونج في سنار وسلاطين دارفور على السيطرة عليه. وفي أوائل عشرينيات القرن التاسع عشر، أقام محمد علي باشا، والي مصر، إدارته في الإقليم. وقد كانت تجارة الرقيق ذات أهمية كبيرة في كردفان حتى قضى عليها السير تشارلز غوردون، الحاكم العام للسودان، مما أدى إلى تمرد قصير الأمد عام 1878. وبقيت كردفان تحت الحكم المصري حتى عام 1882، عندما قاد الزعيم السوداني محمد أحمد بن عبد الله، المعروف بـ “المهدي”، ثورة السودان. وفي منطقة قَزقيل بكردفان، أُبيدت قوات الكولونيل وليام هيكس والجنود المصريين الذين أُرسلوا لسحق الثورة المهدية في 3 نوفمبر 1883.

بعد سقوط الدولة المهدية، وفي عام 1899، انتقل السودان إلى الحكم الثنائي البريطاني–المصري، وأصبحت كردفان إحدى ولاياته. شهدت هذه الفترة استقراراً نسبياً، حيث عملت الإدارة الجديدة على إعادة تنظيم الإقليم إدارياً وربطه ببقية البلاد، مع التركيز على استغلال موارده الزراعية، وبرز الصمغ العربي كأحد أهم صادرات السودان، وكانت كردفان من أبرز مناطق إنتاجه، مما عزز ارتباط الإقليم بالاقتصاد العالمي.

كردفان بعد الاستقلال: تحديات التنمية والصراع

بعد استقلال السودان عام 1956، واجهت كردفان تحديات الدولة الوطنية الوليدة. فرغم أهميته الاقتصادية والجغرافية، لم يحظَ الإقليم بنصيب عادل من التنمية والاستثمار في البنية التحتية. وقد أسهم هذا التفاوت التنموي بين المركز والأقاليم في تعميق الشعور بالتهميش، لا سيما في جنوب كردفان، حيث تداخلت قضايا التنمية والهوية والانتماء السياسي.

في العقود التالية، أصبحت أجزاء من كردفان مسرحاً لصراعات مسلحة متقطعة، مرتبطة بالحرب الأهلية السودانية وتداعياتها. أضعفت هذه الصراعات النسيج الاجتماعي وعمقت الفجوة بين الدولة والمجتمعات المحلية. ومع انفصال جنوب السودان عام 2011، ازداد الوضع تعقيداً حيث تمتد حدود الإقليم مع الدولة الوليدة.

الوضع الراهن: قلب الصراع السوداني

أعادت الحرب الحالية، التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إبراز البنية الاجتماعية المعقدة للإقليم، حيث تتداخل أنماط العيش بين الرعي والزراعة، وتتصاعد التوترات مع غياب الدولة وضعف مؤسساتها. ظلت كردفان منطقة تفاعل بين مجتمعات مختلفة، وكانت إدارة هذا التنوع عاملاً حاسماً في استقرار الإقليم أو اضطرابه.

اليوم، عادت كردفان إلى صدارة المشهد الوطني، فالإقليم يمثل القلب الجغرافي للسودان، والسيطرة عليه تعني التحكم في طرق الإمداد والاتصال بين الأقاليم السودانية. ففي مدينة الأبيض، كبرى مدن الإقليم وعاصمته التاريخية، فرضت التطورات الميدانية واقعاً جديداً قاسياً على السكان، فقد أدت الاشتباكات المتقطعة والقصف المتبادل إلى شلل شبه كامل في الحركة الاقتصادية، وأُغلقت الأسواق، وتوقفت سلاسل الإمداد القادمة من الخرطوم ودارفور. وهكذا، باتت الأبيض، التي كانت تاريخياً مركزاً تجارياً يربط أقاليم السودان المختلفة، رمزاً لانهيار الاستقرار في قلب البلاد.

في جنوب كردفان، لا سيما في محيط كادوقلي ومناطق جبال النوبة، تبدو الحرب الحالية امتداداً لتاريخ طويل من النزاعات المسلحة. عانت هذه المناطق لعقود من التهميش والصراع، ومع اندلاع الحرب الشاملة في السودان، وجدت نفسها مرة أخرى في دائرة العنف. أدت الهجمات بالطائرات المسيّرة والاشتباكات البرية إلى نزوح واسع، وأعادت إنتاج أنماط معاناة قديمة لم تفلح اتفاقات السلام السابقة في إنهائها. يواجه المدنيون، خصوصاً في القرى الجبلية، انعدام الأمن الغذائي وغياب الخدمات الأساسية، في مشهد يعكس هشاشة البنية المدنية في الإقليم.

كما تعاني المستشفيات نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، فيما يعيش المدنيون تحت ضغط الخوف من اتساع رقعة القتال داخل الأحياء السكنية. ويعكس الجانب الإنساني للأزمة في كردفان عمق المأساة السودانية الراهنة، فالنزوح الجماعي، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وانتشار سوء التغذية، كلها مظاهر تضع الإقليم على حافة كارثة طويلة الأمد. والأطفال والنساء وكبار السن هم الأكثر تضرراً، في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعالة، واستمرار القتال دون أفق سياسي واضح. ووفقاً لإحصاءات المنظمة الدولية للهجرة، فقد نزح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، مما يجعله يواجه أسوأ أزمة نزوح في العالم، مع شبح المجاعة الذي يخيم على البلاد.

مستقبل غامض في قلب السودان

في المحصلة، يكشف تاريخ كردفان عن إقليم ظل دائماً في قلب التحولات الكبرى للسودان. فموقعه الجغرافي، وموارده الاقتصادية، وتنوعه الاجتماعي، جعلته عنصراً أساسياً في معادلة الدولة السودانية. لكن هذه العوامل جعلته أيضاً عرضة للصراع والتهميش. وما يجري اليوم على أرضه ليس حدثاً معزولاً، بل فصل جديد في تاريخ طويل من التداخل بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. يبقى مستقبل كردفان رهيناً بتطورات الأزمة السودانية الشاملة، في ظل تحديات إنسانية وأمنية غير مسبوقة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *