حريق يلتهم مجمع فورتي تيونا العسكري في كاراكاس، فنزويلا، بعد سلسلة انفجارات.
السياسة

فنزويلا في مرمى التصعيد الأمريكي: سياق تاريخي وتداعيات راهنة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تصعيد أمريكي في فنزويلا: سياق تاريخي وتداعيات راهنة

شهدت فنزويلا مؤخرًا تصعيدًا عسكريًا أمريكيًا لافتًا، تزامنًا مع مطلع العام الجديد، مما أعاد إلى الواجهة ملف العلاقات المتوترة بين البلدين. ففي الثالث من يناير 2026، أفادت تقارير بشن الولايات المتحدة غارات جوية مكثفة على فنزويلا، تزامنت مع أنباء عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى مكان مجهول.

خلفية الأحداث الأخيرة

لم يأتِ هذا التصعيد مفاجئًا تمامًا، بالنظر إلى التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية تعزيز العمل العسكري الأمريكي ضد فنزويلا. فخلال الأشهر الماضية، شهدت السواحل الفنزويلية عمليات قصف أمريكية لسفن، بزعم مكافحة تهريب المخدرات، وهي عمليات أثارت اتهامات بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

كما شملت الإجراءات الأمريكية احتجاز ناقلات نفط، مع اتهامات أمريكية لفنزويلا بسرقة النفط والأراضي والأصول الأمريكية، وهي اتهامات وصفتها بعض الجهات بأنها “سخيفة”.

وفقًا لتصريح نشره السيناتور الأمريكي مايك لي من ولاية يوتا على منصة “إكس”، أبلغه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن مادورو قد اعتُقل ليُحاكم في الولايات المتحدة بتهم جنائية، وأن الغارات الجوية كانت ضرورية لحماية الأفراد العسكريين الأمريكيين الذين نفذوا مذكرة الاعتقال.

عقود من التوتر والعقوبات

يأتي هذا التصعيد الأخير في أعقاب عقود من العقوبات الأمريكية المفروضة على فنزويلا، والتي أدت إلى شل الاقتصاد الفنزويلي. وقد وصف البعض هذه العقوبات بأنها شكل من أشكال الحرب بحد ذاتها. ففي عام 2020، قدّر المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة، ألفريد دي زاياس، أن حوالي 100 ألف فنزويلي قد لقوا حتفهم كنتيجة مباشرة لهذه الإجراءات الاقتصادية القسرية.

لطالما كانت فنزويلا الغنية بالنفط، وخصوصًا في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز وخلفه نيكولاس مادورو، شوكة في خاصرة السياسة الأمريكية بسبب تبنيها لأفكار مناهضة للرأسمالية، مثل الرعاية الصحية الشاملة.

وتتهم الإدارة الأمريكية الحالية مادورو بقيادة شبكة “إرهاب مخدرات”، وهو اتهام أثار استهجان البعض، خاصة بالنظر إلى تداعياته المدمرة وانتهاكه الصارخ للقانون الدولي.

سوابق تاريخية: بنما والعراق

لا يُعد التدخل الأمريكي في فنزويلا سابقة فريدة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية. فالتاريخ الحديث يزخر بحالات مشابهة، أبرزها قضية الزعيم البنمي الراحل مانويل نورييغا، الذي كان على قائمة رواتب وكالة المخابرات المركزية لسنوات، رغم علم الحكومة الأمريكية الكامل بأنشطته في تهريب المخدرات.

عندما لم يعد نورييغا يُعتبر حليفًا قيمًا ضد الشيوعية في الثمانينيات، انقلبت عليه الولايات المتحدة، وحولته إلى “وجه الشر”. في ديسمبر 1989، شن الرئيس جورج بوش الأب هجومًا واسع النطاق على بنما، أسفر عن مقتل آلاف المدنيين في حي “إل تشوريلو” الفقير في بنما سيتي. وقد اعتُقل نورييغا في عام 1990 بعد حصار للسفارة الفاتيكانية، حيث خضع “لتعذيب موسيقي” عبر مكبرات الصوت قبل نقله للمحاكمة في الولايات المتحدة.

كما يُستذكر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، الذي شُن بناءً على مزاعم بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، تبين لاحقًا عدم وجودها. وقد أسفر الغزو عن تدمير أجزاء واسعة من البلاد ومقتل مئات الآلاف من العراقيين، قبل أن يُعتقل الرئيس العراقي صدام حسين ويُحاكم ويُعدم من قبل الحكومة العراقية المؤقتة التي عينتها الولايات المتحدة.

تساؤلات حول المعايير المزدوجة

في حين تحول إدارة ترامب مادورو إلى “بعبع” دولي وتهديد وجودي، يرى مراقبون أن هذا السرد يفتقر إلى الموضوعية. فبشكل موضوعي، تُتهم الولايات المتحدة نفسها بسلوك يُوصف بأنه إجرامي أوسع نطاقًا وأكثر شمولية. وينطبق الأمر ذاته على حليفتها إسرائيل، التي يُحتفى بزعيمها بنيامين نتنياهو من قبل الرؤساء الأمريكيين، حتى في ظل اتهامات “بالإبادة الجماعية” في قطاع غزة.

لا أحد في واشنطن يقترح محاكمة نتنياهو في الولايات المتحدة، بل تفضل الأخيرة تقديم مليارات الدولارات للمساعدة العسكرية الإسرائيلية.

مستقبل غامض

حيثما تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا، نادرًا ما تبع ذلك نتائج إيجابية. وعلى الرغم من تأكيدات السيناتور لي بأن روبيو لا يتوقع “أي إجراءات أخرى في فنزويلا بعد احتجاز مادورو”، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن القصة أبعد ما تكون عن نهايتها. ومع استمرار ما يُوصف بالإفلات الأمريكي من العقاب، يبدو أن المشهد لم ينته بعد.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة