في أعقاب التطورات الأخيرة في فنزويلا، وتحديداً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عقب عملية عسكرية، عادت “عقيدة مونرو” الأمريكية لتتصدر واجهة النقاشات السياسية والدبلوماسية. فقد أكد ترامب أن الولايات المتحدة “لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن”، مشيراً إلى أن الأحداث الأخيرة “تبرهن على أن الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي لن يُثار حولها أي شكوك في المستقبل”. وقد ذهب ترامب إلى حد إعادة تسميتها بـ “عقيدة دونرو”، في إشارة إلى العقيدة التاريخية التي تعتبر نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة. فما هي هذه العقيدة التي شكلت حجر زاوية في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى قرنين من الزمن؟
جذور العقيدة ومبادئها الأساسية
تُعد عقيدة مونرو، التي سميت على اسم الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو (1817-1825)، من الركائز الأساسية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأمريكية على مدار القرنين الماضيين. وقد أعلن عنها مونرو في رسالته السنوية إلى الكونغرس بتاريخ 2 ديسمبر 1823، متضمناً أربعة مبادئ جوهرية:
- عدم التدخل:
امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبية أو في أي صراعات تنشب بينها.
- الاعتراف بالوضع القائم: اعتراف الولايات المتحدة بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك في نصف الكرة الأرضية الغربي، مع عدم التدخل فيها.
- حظر الاستعمار المستقبلي: منع القوى الأوروبية من استعمار أي مناطق جديدة في نصف الكرة الأرضية الغربي مستقبلاً.
- مواجهة العدوان: اعتبار أي محاولة من قبل دولة أوروبية للسيطرة على دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمعها عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة.
وقد شدد مونرو في إعلانه على أن “العالم القديم” و”العالم الجديد” يمثلان نظامين مختلفين، ويجب أن يظلا محيطين منفصلين.
دوافع إعلان العقيدة وتأثيرها الأولي
تزامنت فترة إعلان عقيدة مونرو مع حصول غالبية دول أمريكا اللاتينية على استقلالها من إسبانيا والبرتغال، وقد اعترفت الولايات المتحدة بخمس جمهوريات جديدة آنذاك. إلا أن واشنطن كانت تخشى من محاولات القوى الأوروبية إعادة استعمار هذه الدول الفتية. كما كانت هناك مخاوف من التطلعات التوسعية الروسية في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، خاصة بعد بسط القيصر ألكسندر الأول هيمنته على مناطق شمال غرب المحيط الأطلسي (ألاسكا حالياً) ومنعه للسفن الأجنبية من الاقتراب عام 1821.
تذكر المراجع التاريخية أن بريطانيا كانت تشارك الولايات المتحدة هذه المخاوف، واقترح وزير الخارجية البريطاني جورج كانينغ إعلاناً أمريكياً-بريطانياً مشتركاً يحظر أي استعمار مستقبلي لأمريكا اللاتينية. لكن وزير الخارجية الأمريكي جون كوينسي أدامز أقنع مونرو بإصدار إعلان أحادي، محذراً من أن الإعلان المشترك قد يحد من فرص التوسع الأمريكي مستقبلاً، وأن بريطانيا قد تكون لديها طموحات إمبريالية خاصة بها.
في تلك الفترة، لم تكن الولايات المتحدة قوة عظمى قادرة على فرض مبادئ مونرو بالقوة، ولم تُظهر القوى الأوروبية الاستعمارية أي نوايا جادة للعودة إلى أمريكا اللاتينية. لذلك، لم يكن لإعلان السياسة هذا، الذي سُمي لاحقاً “عقيدة مونرو” بعد حوالي ثلاثة عقود، صدى كبير خارج الولايات المتحدة في بداياته.
تطور العقيدة: من الانعزالية إلى الهيمنة
مع مرور الوقت، شهدت عقيدة مونرو تفسيرات وتوسعات مختلفة. فبينما أكد جيمس مونرو أن نصف الكرة الغربي لم يعد مجالاً للاستعمار الأوروبي، أضاف الرئيس جيمس كي بولك (1845-1849) مبدأً جديداً يمنع الدول الأوروبية من التدخل في أي توسعات أمريكية محتملة.
مع نهاية القرن التاسع عشر، بدأت الولايات المتحدة بالبروز كقوة عالمية، متخلية تدريجياً عن سياستها “الانعزالية” التقليدية التي دعا إليها الرئيس الأول جورج واشنطن. هذا التحول رافقه توسع في تفسيرات عقيدة مونرو من قبل الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين، مما عكس تزايد نفوذ واشنطن وطموحاتها.
“لازمة روزفلت” وسياسة “العصا الغليظة”
في عام 1904، أضاف الرئيس ثيودور روزفلت بعداً جديداً لعقيدة مونرو، عُرف بـ “لازمة روزفلت”. فقد أعلن حق الولايات المتحدة في التدخل لمواجهة الدول الأوروبية الدائنة التي هددت بالتدخل العسكري لتحصيل ديونها من بلدان أمريكا اللاتينية. وذهب روزفلت أبعد من ذلك في رسالته إلى الكونغرس، مشيراً إلى أن “الممارسات الخاطئة المتكررة قد تستوجب في نهاية المطاف تدخل دولة متحضرة في نصف الكرة الأرضية الغربي”، وأن التزام الولايات المتحدة بعقيدة مونرو قد يضطرها للقيام “بدور الشرطة الدولية” في مثل هذه الحالات.
هذه السياسة، التي عُرفت أيضاً بـ “العصا الغليظة”، جسدت مبدأ امتلاك القوة العسكرية والاستعداد لاستخدامها لفرض الهيمنة الأمريكية. وقد استخدمها روزفلت لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في دول أمريكا الوسطى والكاريبي، مثل نيكاراغوا وجمهورية الدومينيكان وهايتي وكوبا.
من “العصا الغليظة” إلى “حسن الجوار”
في محاولة لتخفيف حدة التدخل الأمريكي، سعى بعض الرؤساء الذين خلفوا ثيودور روزفلت إلى تبني تفسيرات أقل صرامة لعقيدة مونرو. ومن أبرز هؤلاء الرئيس فرانكلين روزفلت (1933-1945)، الذي استبدل سياسة “العصا الغليظة” بدبلوماسية “حسن الجوار”، محاولاً صياغة السياسات الخارجية المتعلقة بأمريكا اللاتينية بالتشاور مع دول المنطقة ومنظمة الدول الأمريكية. ومع ذلك، يرى العديد من المختصين أن الولايات المتحدة استمرت في استخدام عقيدة مونرو لتبرير تدخلاتها في شؤون جيرانها الجنوبيين، وإن كان ذلك بأساليب مختلفة.
عقيدة مونرو في زمن الحرب الباردة
استُحضرت عقيدة مونرو بقوة خلال الحرب الباردة، لا سيما في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. حينها، فرض الرئيس جون إف كينيدي (1961-1963) حصاراً بحرياً وجوياً على كوبا بعد اكتشاف قيام الاتحاد السوفيتي بإنشاء منصات لإطلاق الصواريخ على بعد حوالي 90 ميلاً من السواحل الأمريكية. هذا الموقف عكس استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية لتحييد ما اعتبرته تهديداً لأمنها القومي.
استمر التوتر بين القوتين العظميين لمدة 13 يوماً، مسبباً مخاوف عالمية من اندلاع حرب نووية. وقد تم تجنب الكارثة بعد موافقة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف على إزالة الصواريخ من كوبا، مقابل تعهد واشنطن بعدم غزو البلاد، وبإزالة صواريخ أمريكية من تركيا لاحقاً.
وقد أثيرت مقارنات حديثة بين أزمة الصواريخ الكوبية والتوترات بين أوكرانيا وروسيا، حيث يكمن جوهر الأزمتين في مخاوف طرف من اقتراب الآخر من محيط تأثيره وتهديد أمنه القومي.
في عام 1985، قدم الرئيس رونالد ريغان (الرئيس الأربعون للولايات المتحدة) تفسيره الخاص لعقيدة مونرو من خلال إعلانه “عقيدة ريغان”. هذه السياسة الخارجية ركزت على مكافحة الشيوعية، وجاء فيها: “يجب أن نقف إلى جانب حلفائنا الديمقراطيين. ويجب ألا نفقد الأمل في هؤلاء الذين يخاطرون بأرواحهم في كل قارة – من أفغانستان إلى نيكاراغوا – لمواجهة العدوان المدعوم سوفيتياً”. بناءً على هذه العقيدة، دعمت واشنطن حركة “كونترا” في نيكاراغوا والمجاهدين الأفغان لمواجهة النفوذ السوفيتي.
عقيدة مونرو ما بعد الحرب الباردة
بعد انتهاء الحرب الباردة وبداية القرن الحادي والعشرين، تراجعت الإشارة المباشرة إلى عقيدة مونرو في الخطاب السياسي الأمريكي، إلا أن مبادئها الأساسية المتعلقة بالهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي ظلت كامنة في صلب السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه جيرانها الجنوبيين.
تظل عقيدة مونرو، بتفسيراتها المتعددة وتطبيقاتها التاريخية، وثيقة أساسية لفهم تطور الدور الأمريكي في العالم، وكيف شكلت تصورات واشنطن لمجال نفوذها الحيوي، وهو ما يتجلى في التصريحات الحديثة التي تعيد إحياء النقاش حولها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







