مقدمة: البحر الأحمر.. شريان حيوي في قلب التحولات الجيوسياسية
يشهد البحر الأحمر، هذا الشريان الملاحي الحيوي الذي يربط الشرق بالغرب، تحولات جيوسياسية متسارعة، تضع أمن الملاحة الدولية في صلب اهتمامات القوى الإقليمية والدولية. في هذا السياق، يبرز الاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند” كخطوة استراتيجية تحمل في طياتها أبعاداً متعددة، تتجاوز مجرد الدعم السياسي لكيان يتمتع باستقلال فعلي دون اعتراف دولي كامل. يقدم إيلان بيرمان، النائب الأول لرئيس “المجلس الأميركي للسياسة الخارجية”، قراءة معمقة لهذه المتغيرات، رابطاً إياها بمساعي إسرائيل لتثبيت دورها كـ”ضامن” للملاحة، ومكافحة تمدد الحوثيين، ومستعرضاً تداعيات ذلك على المشهد الإقليمي المعقد.
صوماليلاند: موقع استراتيجي وعامل ردع محتمل
يرى بيرمان أن جوهر الخطوة الإسرائيلية ينبع من الجغرافيا. فـ”صوماليلاند”، التي تتمتع باستقلال ذاتي منذ عام 1991 وتقع قبالة اليمن على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، تمنح إسرائيل قدرة “للنظر عبر البحر الأحمر” من نقطة أقرب إلى مسرح عمليات الحوثيين. هذا الموقع الاستراتيجي قد يشكل عامل ردع، حيث يمكن أن يقلص هامش المناورة للحوثيين أو يمنع بعض هجماتهم، وقد يتحول إلى منصة تحرك في حال فرضت الظروف ذلك. كما يشير بيرمان إلى مخاوف إسرائيلية من تمدد الحوثيين خارج اليمن، مع وجود مؤشرات على اتصالات “تكتيكية وربما استراتيجية” مع جماعات في القرن الأفريقي، مثل “حركة الشباب”، مما يرفع من قيمة “صوماليلاند” كمنطقة مراقبة متقدمة.
إسرائيل كـ”ضامن” لأمن الملاحة الدولية
لم تعد الاضطرابات التي تسببها هجمات الحوثيين محصورة في الجانب الأمني، بل امتدت لتؤثر على الأسواق العالمية، مضيفة “مليارات” إلى تكلفة المستهلكين بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتغير مسارات السفن. هنا، يطرح بيرمان فكرة دور إسرائيل كطرف “ضامن” لأمن التجارة في البحر الأحمر. فوصول إسرائيل إلى “صوماليلاند”، مقترناً بشراكاتها الإقليمية، يمكن أن يفتح “حديثاً جديداً” حول دور محتمل في حماية التجارة واستقرار الملاحة، وهو ما يعتبره “تقدماً” ذا وزن، نظراً لما تحمله الضمانات البحرية من نفوذ سياسي واقتصادي.
“حل الدولتين” في اليمن: مقاربة جديدة لمواجهة الحوثيين؟
في قراءة للمشهد اليمني، يرى بيرمان أن المقاربة التقليدية لواشنطن، التي تركز على “مكافحة الإرهاب”، لم تنجح في تقليص نفوذ الحوثيين. لذلك، يقترح الانتقال إلى مقاربة تركز على “السيادة والحوكمة”، حيث تبرز فكرة “حل الدولتين” في اليمن كطرح غير تقليدي. هذا الحل، الذي يقضي بوجود كيانين منفصلين عملياً، يمكن أن يوفر شريكاً أكثر فاعلية في الجنوب، ويضيق هامش الحوثيين، ويضع ارتباطاتهم عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحت ضغط أكبر.
السعودية: بين المصالح الإقليمية والأمن الاقتصادي
يصف بيرمان موقف السعودية بأنه “مزدوج”، مشيراً إلى معارضة الرياض للاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند” بسبب مصالحها مع الصومال. ومع ذلك، يشدد على أن “رؤية السعودية 2030” تعتمد بشكل كبير على البحر الأحمر، سواء في التجارة أو السياحة أو التنمية. لذا، فإن أي ترتيبات قادرة على كبح الحوثيين ومنع اضطرابات الملاحة تمثل “مكسباً صافياً” لاستقرار البحر الأحمر. تواجه السعودية، وفقاً لبيرمان، “نبضين متنافسين”: حسابات السياسة والعلاقات الإقليمية من جهة، وحسابات الاقتصاد والممرات البحرية من جهة أخرى، مع قرار لم يُحسم نهائياً في الرياض.
ردود الفعل الإقليمية والصمت الدال
تطرق بيرمان إلى ردود الفعل على الاعتراف بـ”صوماليلاند”، مشيراً إلى موقف جامعة الدول العربية وقطر وتركيا المعارض. لكنه توقف عند ما وصفه بـ”الأكثر إثارة”: صمت دول لم تصدر موقفاً. ذكر الإمارات، معتبراً أن موقفها معقد لكونها عضواً في الجامعة العربية وشريكاً لإسرائيل في “اتفاقات أبراهام”، واعتبر صمتها “دالاً”. كما أشار إلى أن المغرب لم يصدر موقفاً معارضاً. هذا النمط من المواقف قد يشير إلى اصطفاف يتشكل تدريجياً، ليس بالضرورة تحالفاً معلناً، بل شبكة مصالح تلتقي عند فكرة أمن البحر الأحمر، وتتعامل مع الاعتراف بـ”صوماليلاند” كجزء من معادلات استراتيجية أوسع.
تركيا وإيران: أدوار متباينة وتحديات داخلية
يصف بيرمان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه “فاعل إشكالي” من منظور إسرائيلي، مشيراً إلى امتلاك أنقرة علاقات جيدة مع الإدارة الأميركية، وفي الوقت نفسه بروزها كأعلى صوت معادٍ لإسرائيل. ويرى أن إظهار إسرائيل كطرف يسعى إلى دور “بنّاء” في أمن البحر الأحمر وأفريقيا جنوب الصحراء يضعف جزءاً من الخطاب التركي الذي يقدم إسرائيل كقوة “مزعزعة”. أما في الشق المصري، فيصف بيرمان “سلبية” القاهرة خلال ذروة نشاط الحوثيين بأنها “محيرة”، خاصة وأن الاقتصاد المصري “هش” ويعتمد بشدة على التجارة البحرية. وعن إيران، يرى بيرمان أنها أثبتت فاعليتها كقوة “مزعزعة للاستقرار”، لكنه يشير أيضاً إلى أزمات داخلية كبيرة تواجهها، من احتجاجات وتدهور اقتصادي، مما يجعل طهران “منشغلة داخلياً في الوقت الراهن” رغم طموحاتها الإقليمية.
خاتمة: مشهد إقليمي معقد ومتغير
يظل البحر الأحمر والقرن الأفريقي ساحة لتفاعلات جيوسياسية معقدة، حيث تتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. الاعتراف الإسرائيلي بـ”صوماليلاند” ليس سوى حلقة في سلسلة من التحركات التي تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى، وتأمين الممرات الملاحية، ومواجهة التحديات الأمنية المتنامية. يبقى السؤال حول كيفية تطور هذه الديناميكيات وتأثيرها على استقرار المنطقة في المستقبل المنظور.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







