مؤيدون للمجلس الانتقالي الجنوبي يلوحون بأعلام المجلس في عدن، اليمن، خلال تجمع حاشد.
السياسة

إعلان ‘دولة الجنوب العربي’: اليمن في مواجهة لحظة تاريخية فارقة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

لم تعد وحدة اليمن، التي صاغها التاريخ على مدى أكثر من ثلاثة عقود، أمراً مسلماً به. فالمشترك الذي جمع الشمال والجنوب لم يضمن حتمية بقاء الجغرافيا على حالها، بل ربما وفر من الأسباب ما يكفي لاحتمال تغيير خرائطها. في خضم هذا المشهد المعقد، برزت خطوة محورية من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، تمثلت في الكشف عن إعلان دستوري لـ”دولة الجنوب العربي”، ما وضع البلاد أمام مفترق طرق جديد، وأثار تساؤلات جوهرية حول مستقبل الجنوب ومصير الوحدة اليمنية.

الإعلان الدستوري: ملامح “دولة الجنوب العربي”

كشف المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يقوده عيدروس الزبيدي ويخوض حالياً مواجهات مع القوات الحكومية اليمنية، عن إعلان دستوري يحدد خارطة طريق لقيام “دولة الجنوب العربي”. يتضمن الإعلان فترة انتقالية مدتها عامان، تتبعها عملية استفتاء شعبي لتقرير استقلال الجنوب. وقد شكل هذا الإعلان خروجاً للمجلس من المنطقة الرمادية التي استقر فيها لسنوات، مقدماً أجوبة واضحة حول نواياه الفعلية.

تضمنت بنود الإعلان الدستوري ملامح الدولة المفترضة ونظامها السياسي. فقد نص على أن “دولة الجنوب العربي” دولة مستقلة ذات سيادة، عاصمتها عدن، وحدودها هي الحدود الدولية لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية سابقاً. كما حدد اللغة العربية لغة رسمية والإسلام ديناً، والشريعة مصدراً رئيسياً للتشريع.

وفيما يتعلق بالنظام السياسي، أكد الإعلان على مبدأ الفصل بين السلطات في إطار دولة مدنية ديموقراطية، على أن يحدد الشعب شكل النظام النهائي عبر استفتاء عام بعد المرحلة الانتقالية. وأشار إلى أن رئيس الدولة هو الرئيس المفوّض باستعادتها، والقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحكومة الانتقالية، مع تحديد مدة المرحلة الانتقالية بسنتين قابلة للتمديد مرة واحدة، بهدف بناء الدولة وإعداد الدستور الدائم وتنظيم الاستفتاء.

الأهمية والتداعيات على الأرض

يمثل الإعلان الدستوري نقلة نوعية في التوجهات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، محولاً إياها من الإطار النظري إلى التطبيق العملي. إنه يؤسس لخطوات ملموسة على الأرض تكرس الانفصال عبر استحداث آلياته ومؤسساته. يصف أياد قاسم، رئيس مركز “سوث 24” للأخبار والدراسات، هذا الإعلان بأنه تأسيسي “يندرج ضمن ما يعرف بالشرعية الثورية الانتقالية”، ويكمن أهميته الحقيقية في كونه سياسياً بامتياز، وينقل القضية الجنوبية من مربع المطالبة إلى مربع إعلان الإطار الدستوري الحاكم، أي “فرض أمر واقع منظّم”.

لكن الصورة على الأرض تبدو أكثر ضبابية، فقد جاء الكشف عن الإعلان في لحظة احتدم فيها القتال بين المجلس، المدعوم من الإمارات، وقوات الحكومة المعترف بها دولياً، والمدعومة من السعودية. هذا الواقع يفتح الباب أمام مزيد من الشكوك حول ما ستؤول إليه الأمور، مما سيترك أثراً كبيراً على مصير الإعلان الدستوري و”مشروع دولة الجنوب”.

من جانبه، تعهد ممثل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي للشؤون الخارجية، عمرو البيض، في حديث لموقع “الحرة”، بالعمل على تنفيذ الإعلان الدستوري “بكل تأكيد”، ملوحاً بـ”إعلان الدولة في حال استمر العدوان”. يأتي هذا في ظل تصعيد عسكري، حيث شنت القوات الحكومية عمليات لاستعادة مواقع عسكرية سيطرت عليها قوات المجلس مؤخراً في جنوب وشرق البلاد، بما في ذلك معسكر الجيش في الخشعة بحضرموت، وهو أكبر وأهم قاعدة عسكرية في المحافظة.

هذه التطورات سبقتها سيطرة قوات المجلس، في ديسمبر الماضي، على مساحات واسعة من جنوب البلاد، ما أشعل فتيل نزاع حاد في اليمن والمنطقة، وتسبب في توتر كبير في العلاقات بين السعودية والإمارات. فبينما شنت السعودية غارات على ميناء المكلا وأخرى استهدفت “قوات الانتقالي” في حضرموت، أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من قواتها بعد مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بـ”الخروج من جميع الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة”.

سيناريوهات مستقبل الجنوب اليمني

سيترك الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي أثراً كبيراً على مواقف الأطراف الداخلية اليمنية ومسار الصراع، كما سيتفاعل مع النفوذ الإقليمي والدولي في هذا البلد. يؤكد البيض على وجود “تصعيد فعلي ضدنا”، لكنه يشدد على أنهم “سيستمرون ويدافعون عن أرضهم حتى النهاية”.

غير أن تمسك المجلس الانتقالي بإعلانه واستعداده للقتال لا يضمن بالضرورة المستقبل الذي يصبو إليه الجنوب. فثمة لاعبون آخرون، يمنيون وإقليميون ودوليون، لا بد وأن يكون لمواقفهم تأثير كبير. يطرح سالم ثلاثة سيناريوهات محتملة للإعلان الدستوري:

  • السيناريو الأول: توقف جميع القوات، بما فيها السعودية، التصعيد والتوجه نحو التهدئة، ما قد يعني تثبيت الواقع الراهن.
  • السيناريو الثاني: ممارسة ضغوط اقتصادية وأمنية من خلال إجراءات عدة، مثل نقل البنك المركزي من عدن.
  • السيناريو الثالث: الدخول في حرب شرسة مع الجنوبيين، وهو ما قد يدفع المجلس الانتقالي إلى تقصير مدة الإعلان الدستوري وإعلان قيام دولة الجنوب العربي بشكل كامل.

إذا ما قدر لأي من هذه السيناريوهات أن يرى النور، فإن اليمنيين سيجدون أنفسهم أمام لحظة فارقة جديدة في تاريخهم، وهم الذين اختبروا مثل هذه اللحظات جيداً، من التقسيم إلى الحرب الأهلية والوحدة في القرن الماضي، وصولاً إلى سقوط نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح في عام 2012. إنها لحظة قد تعيد رسم خرائط اليمن ومستقبله لعقود قادمة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة