أثار مشهد مشجع جزائري، وهو يلتحف علم بلاده ويقضي ليلته داخل محطة للقطار بالمغرب، موجة واسعة من التفاعل والاستغراب في الأوساط المحلية والعربية. لم يقتصر الأمر على رمزيته الإنسانية المؤلمة، بل تجاوز ذلك ليحمل دلالات أعمق تتجاوز حدود صورة عابرة التقطت في فضاء عام.
صورة تعكس واقعًا مريرًا
يظهر المشهد، كما تم تداوله على نطاق واسع، شخصًا بدا في وضعية هشة، يعتمد على مساعدة المسافرين. يأتي هذا في وقت يُفترض فيه أن يكون حضور المشجعين في تظاهرة قارية مناسبة للفرح والتنافس الرياضي، لا مناسبة لكشف اختلالات اجتماعية صارخة. المفارقة التي فجرت النقاش هي أن الأمر يتعلق بمواطن قادم من دولة تصنّف ضمن كبار منتجي النفط والغاز في العالم، وتحقق مداخيل ضخمة من الثروات الطبيعية.
تناقض الثروة والفقر
يجد هذا المواطن نفسه عاجزًا عن تأمين إقامة بسيطة بأحد النزل في بلد مجاور، خاصة وأن ظروف السكن متاحة وبأسعار في المتناول، وتخضع لمراقبة صارمة من السلطات لمنع أي استغلال. هذا التناقض الصارخ لا يمكن عزله عن واقع اجتماعي مأزوم، يعكس فجوة عميقة بين الأرقام الرسمية المعلنة وبين الوضع المعيشي الحقيقي لشرائح واسعة من الشعب الجزائري.
المسؤولية الاجتماعية للثروة
أجمع المعلقون على أن قراءة هذا المشهد لا ينبغي أن تنزلق إلى تحميل المسؤولية للأفراد أو التشكيك في كرامتهم، فالمواطن هنا ضحية قبل أي شيء آخر. إنه الضحية الأولى لسياسات عمومية لم تنجح في تحويل الثروة إلى رفاه اجتماعي، ولا في ضمان حد أدنى من القدرة الشرائية التي تمكن المواطن من التنقل والعيش بكرامة داخل بلده وخارجه. فالثروة، حين تحتكر أو تهدر في دوائر ضيقة، تفقد معناها الاجتماعي، وتتحول إلى عنوان أجوف لا ينعكس على حياة الناس.
المغرب: نموذج للاستقبال والكرامة
في المقابل، يبرز نموذج الاستقبال بالمغرب، الذي ورغم إمكاناته المحدودة مقارنة بدول نفطية، عمل على توفير بنية تنظيمية جيدة للجماهير، وأسعار إقامة مناسبة، ومقاربة تقوم على احترام الزائر وصون كرامته، بغض النظر عن جنسيته أو خلفيته. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا حول أسباب العجز داخل دولة غنية بالموارد، وعما إذا كان الخلل في قلة الإمكانات أم في طريقة تدبيرها وتوزيعها.
سؤال الكرامة الوطنية
لا يعتبر ما تكشفه هذه الصورة المتداولة حالة فردية معزولة بقدر ما هو انعكاس لوضع أعم، حيث يتجاور الغنى الطبيعي مع الفقر الاجتماعي، وتغيب العدالة في توزيع الثروة، فيدفع المواطن البسيط ثمن خيارات سياسية واقتصادية لم يكن شريكًا في صنعها. وفي النهاية، يبقى المشهد مؤلمًا لأنه يمس كرامة الإنسان قبل أن يمس صورة الدولة، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا، حول دور الثروات النفطية إذا لم تستثمر أولًا في كرامة المواطن.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا


























اترك التعليق