صورة ترمز للسياسة في نيويورك مع إشارة إلى دروس مستفادة من أفغانستان
السياسة

دروس أفغانستان لنيويورك: حين تفشل النخب في قراءة الواقع

حصة
حصة

تجد النخب السياسية في مدينة نيويورك نفسها، على غرار القوات الأمريكية في أفغانستان، غارقة في هوس قياس النجاح بمعايير خاطئة. هذا ما يكشفه صعود زهران ممداني إلى منصب رئيس بلدية نيويورك، وهو حدث يضع على المحك قدرته على تلبية مطالب الناخبين، وقدرة المؤسسة السياسية على إدراك ذلك.

فالنخب التي رفضت تصديق دلائل صعود ممداني تستعد الآن لتقييم أدائه، لكنها توجه أدوات قياسها نحو أمور غير ذات صلة. هذا النمط ليس جديدًا؛ فالنخبة السياسية في نيويورك لم تفشل في توقع صعود ممداني فحسب، بل رفضت تصديقه رغم وضوح الدلائل: قوة غير متوقعة في استطلاعات الرأي، حماس شعبي جارف، وناخبون انجذبوا لرسالة تتحدى الأعراف. لم يكن نقص المعلومات هو المشكلة، بل الافتقار إلى الرغبة في استيعاب دلالاتها.

تشابهات مقلقة: من كابول إلى نيويورك

خلال سنوات العمل في أفغانستان بين 2006 و2016، نادراً ما كانت المشكلة تكمن في نقص البيانات. فقد كشفت تقارير عام 2015 عن فرار 33% من الجنود الأفغان سنوياً، بينما افترض البنتاغون وجود جيش قوامه 352 ألف جندي، رغم اعتراف القادة المحليين بأن معظمهم مجرد أشباح. اختفت خرائط المناطق التي أظهرت مكاسب طالبان، وصنف المسؤولون العسكريون أرقام الخسائر للحفاظ على الروح المعنوية. كان المسؤولون الأفغان يخبرون واشنطن بما تريد سماعه، لأن التمويل كان يعتمد على معايير أداء اعتباطية، لا على الواقع. تجاهلت النخب التحذيرات التي تناقض ما أرادت تصديقه، ولم تكن الأجهزة معطلة، بل كانت مُعايرة لقياس ما يُريح، لا ما يهم.

عندما سقطت كابول في يد طالبان عام 2021، بدا الانهيار مفاجئًا فقط لمن رفضوا قراءة المؤشرات. كان الاعتراف بالتحذيرات بمثابة إقرار بالفشل، وهو ما هدد مصالح وسمعة الكثيرين. كررت النخبة الحاكمة في نيويورك هذا النمط مع ممداني؛ فمؤشرات نجاحه كانت واضحة، لكن ما افتقروا إليه هو الشجاعة لمواجهة التداعيات. فتأييده كان سيؤدي إلى نفور المانحين، ودعمه سيزعزع استقرار حلفاء العقارات. أما الاعتراف بقوته، فكان سيجبرهم على الإقرار بأن التحالف الذي بنوه، الممول بالثروة والمتظاهر بالفضيلة التقدمية، لم يعد يحظى بولاء الطبقة العاملة.

لقد استخفّوا بحملته الانتخابية واعتبروها هامشية، مؤكدين لبعضهم بعضاً أن الناخبين لن يختاروا أبدًا شخصًا بعيدًا عن التيار السائد. وعندما أصبحت الدلائل واضحة لا لبس فيها، تهرب بعضهم من مواجهة ما كشفه صعوده: الفجوة المتزايدة بين أدائهم وواقع الناخبين.

فشل النظام وتزييف التفضيلات

أدرك ممداني أمرًا جوهريًا: لقد توقف النظام عن العمل لصالح معظم سكان نيويورك. أصبحت تكاليف السكن وإمكانية الحصول عليه باهظة، وحتى تعدد الوظائف لم يعد يضمن الاستقرار. وتحوّل الارتقاء الاجتماعي إلى نكتة قاسية لمن لا يملكون ثروة موروثة أو من هم خارج عوالم التكنولوجيا والمال الضيقة. لم يكن أي من هذا خفيًا، بل كان مجرد أمر غير مريح الاعتراف به بالنسبة لأولئك الذين يعتمد نفوذهم على الحفاظ على الترتيبات الحالية.

أطلق عالم السياسة تيمور كوران على هذه الظاهرة اسم “تزييف التفضيلات”، أي التشويه المنهجي لمعتقدات الفرد تحت ضغط اجتماعي مُتصوَّر. ففي أفغانستان، ادّعى الجنود ولاءً لم يشعروا به، وزعم المسؤولون أن البرامج فعّالة، وشارك المواطنون في الطقوس الديمقراطية لفترة طويلة بعد أن فقدوا إيمانهم بها. وعملت النخبة السياسية في نيويورك وفق المنطق نفسه، حيث كوفئت على التطمينات، ودُفع ثمن للمعارضة، وترسّخ إجماع النخبة بسرعة.

معايير جديدة لتقييم النجاح

تراقب المؤسسة السياسية عن كثب لمعرفة ما إذا كان ممداني سيتعثر، وستقيس نجاحه باستخدام المعايير التقليدية: استطلاعات الرأي، رضا المانحين، التغطية الإعلامية، وقدرته على التعامل مع آليات حكومة المدينة. هذه المعايير تقيس عوامل حقيقية للنجاح أو الفشل السياسي وتخبرنا ما إذا كان ممداني يدير اللعبة السياسية بنجاح، لكنها لا تبين ما إذا كان يلبي مطالب ناخبيه.

لو أردنا وضع معايير لتقييم نجاح ممداني، مستندين إلى الدروس المستفادة من أفغانستان، لركزنا على أسئلة مختلفة تمامًا:

  • الثقة أهم من الاستحسان: استطلاعات الرأي تستفسر عن “الموافقة” أو “عدم الموافقة” على أداء رئيس البلدية، لكنها لا تسأل عما إذا كان المواطنون يعتقدون أن حكومة المدينة على دراية بظروف حياتهم اليومية. في أفغانستان، تعلمنا أن نسب الاستحسان لا تخبرنا شيئًا عن مدى ثقة الناس في قدرة الدولة على حمايتهم أو استمراريتها. ما يهم في النهاية هو الثقة.
  • الوصول بدلًا من التخصيص: قياس المبالغ المخصصة للإسكان الميسور أمرٌ بسيط. أما قياس ما إذا كان بإمكان المعلمين والممرضين وعمال النقل تحمل تكاليف المعيشة في نيويورك فهو أكثر تعقيدًا وأكثر دلالة. في أفغانستان، تم إحصاء المدارس دون التأكد من قدرة الأطفال على الالتحاق بها، وافتُتحت العيادات دون توفر الأدوية فيها. كانت البنية التحتية موجودة على الورق فقط، أما الوصول فكان غائبًا.
  • الاستجابة أهم من الإجراءات: غالبًا ما يركز القياس على تنفيذ الإجراءات: عقد الاجتماعات، تشكيل المجالس، وإجراء الانتخابات. ونادرًا ما يرصد ما إذا كان سلوك أي شخص يتغير نتيجة لذلك. في أفغانستان، تم إحصاء الناخبين دون سؤالهم عما إذا كانوا يعتقدون أن لأصواتهم قيمة.
  • تقديم الخدمات بدلًا من مجرد الإعلان عنها: تتفوق الحكومات في الإعلان عن البرامج، لكنها تكافح لتنفيذها. في ولاية فراه بأفغانستان، زُرتُ ذات مرة عيادة صحية تم فيها استيفاء المعايير، لكن لم يتلقَّ أي مريض الرعاية. في نيويورك، يتم الإعلان عن المبادرات في مؤتمرات صحفية، لكنها لا تصل إلى الأحياء التي يُفترض أن تخدمها.

الاختبار الحقيقي لمدينة نيويورك

فاز ممداني برفضه الانصياع لقواعد النظام. واختاره ناخبوه لأنهم سئموا من السياسيين الذين يجيدون التلاعب بالنظام، لكنهم عاجزون عن جعله يعمل بإنصاف لصالحهم. يبدأ الاختبار الحقيقي منذ أول يوم في العام الجديد: هل يستطيع توفير السكن الميسور، ووسائل النقل العام، والخدمات العامة، والأمن الذي وعد به؟ وإذا نجح ممداني بتنفيذ ما يهمّ سكان نيويورك العاديين وفشل وفقًا للمعايير التي تراقبها النخب، فهل سيعترفون بنجاحه الحقيقي؟


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة