مع إسدال الستار على عام 2025، نشر الجيش الإسرائيلي حصيلته العملياتية السنوية، مقدّمًا صورة عن عام وصفته المؤسسة العسكرية بأنه من الأكثر كثافة وتعقيدًا، في ظل ما تسميه إسرائيل «المعركة متعددة الساحات». من غزة ولبنان، مرورًا بسوريا والضفة الغربية، وصولًا إلى إيران واليمن، تحرك الجيش، وفق بيانه، على رقعة جغرافية واسعة، مستعرضًا لغة الأرقام والتفوق العملياتي.
عمليات عسكرية مكثفة على جبهات متعددة
بحسب البيان، شنّ الجيش الإسرائيلي خلال العام نحو 20,900 غارة عسكرية، ونفّذ قرابة 430 عملية على جبهات متعددة، في إطار ما وصفه بجهد متواصل لحماية أمن إسرائيل ومواطنيها. ويعرض البيان هذه الحصيلة باعتبارها نتيجة عام من العمل العسكري والاستخباراتي المتشابك، الذي لم يقتصر على ساحة واحدة، بل توزّع على مسارح بعيدة وقريبة في آن واحد.
في قطاع غزة
أفاد الجيش الإسرائيلي بمهاجمة نحو 19,530 هدفًا في قطاع غزة، ضمن حملة واسعة تستهدف ضرب القدرات العسكرية لحركة حماس. ويشير إلى تدمير بنى تحتية، ومراكز قيادة، ومستودعات أسلحة، إضافة إلى مقتل قادة ميدانيين من مستويات مختلفة. كما ذكر اغتيال شخصيات بارزة، في مقدمتها محمد السنوار، الذي قدمه البيان كأحد أبرز صنّاع القرار العسكري في الحركة.
في لبنان
أعلن الجيش الإسرائيلي مهاجمة نحو 950 هدفًا عسكريًا في لبنان، شملت منصات إطلاق، ومستودعات أسلحة، ومبانٍ عسكرية، وفتحات أنفاق، في سياق مواجهة متواصلة مع حزب الله، وصفها الجيش بأنها جاءت ردًا على خروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار. ومن بين الأسماء التي أبرزها البيان، هيثم الطبطبائي، الذي شغل منصب رئيس أركان حزب الله، واغتيل بعد مسار طويل من المتابعة الاستخباراتية.
على الساحة الإيرانية
وصف الجيش الإسرائيلي حرب الأيام الـ12، أو ما يسميها عملية «الأسد الصاعد»، بأنها محطة مفصلية، شملت الإغارة على نحو 1,500 هدف، واستهدفت قيادات عسكرية رفيعة، إضافة إلى علماء نوويين. ويبرز في هذا السياق اسم علي شاداماني، قائد مقر الطوارئ للقوات المسلحة الإيرانية، الذي قُتل في ضربة وصفت بأنها طالت قلب منظومة القيادة في طهران.
في اليمن
تحدث الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ نحو 20 ضربة عسكرية مركزة، استهدفت قرابة 230 هدفًا، وأسفرت، وفق البيان، عن مقتل شخصيات قيادية في صفوف الحوثيين، في عمليات بعيدة المدى اعتُبرت من الأكثر تعقيدًا من حيث التخطيط والمسافة. وتشير المعطيات إلى اغتيال قيادات بارزة في الصفين العسكري والسياسي للجماعة، من بينها أحمد الرهوي، رئيس حكومة الحوثيين، خلال ضربة استهدفت اجتماعًا لقيادات عليا في صنعاء، إضافة إلى محمد الغماري، قائد أركان القوات الحوثية.
استراتيجية “إزالة الشخصيات من المعادلة”
يولي الجيش الإسرائيلي حيزًا لافتًا لما يسميه “إزالة شخصيات من المعادلة”، عارضًا سلسلة الاغتيالات بوصفها “خلاصة عمل استخباراتي طويل النفس”. ووفق الرواية العسكرية، تبدأ كل عملية بجمع معلومات دقيقة من مصادر متعددة، وتحليل أنماط السلوك، وبناء “ملفات أهداف”، قبل الانتقال إلى التنفيذ وتقييم الأضرار، في دورة عملياتية تهدف، بحسب الجيش، إلى إحباط التهديد قبل تبلوره.
تدقيق “الحرة”: تباين في الأرقام وإغفال لعملية الدوحة
في سياق مراجعة المعطيات الرقمية، وبعد فحص أجراه موقع “الحرة” للأرقام التفصيلية الواردة في بيان الجيش، تبيّن أن مجموع الأهداف التي جرى ذكرها بحسب الجبهات المختلفة يصل إلى نحو 22,210 أهداف، أي بزيادة تقارب 1,310 أهداف عن الرقم الإجمالي البالغ 20,900 هدف، الذي ورد في مطلع البيان. وقد توجه موقع “الحرة” إلى الناطق بلسان الجيش لطلب توضيح بشأن هذا الفارق وآلية الاحتساب المعتمدة، إلا أنه وحتى لحظة نشر هذا التقرير لم يصدر أيّ تعقيب رسمي.
وفي هذا السياق أيضًا، يلاحظ أن بيانات الجيش الختامية لم تتناول الغارة التي نُسبت إلى إسرائيل واستهدفت العاصمة القطرية الدوحة في سبتمبر 2025. هذه العملية، التي خرجت عن ساحات المواجهة التقليدية وأسفرت عن تداعيات سياسية وأمنية واسعة، نُفذت، وفق المعطيات المعلنة آنذاك، خلال اجتماع لقيادات من حركة حماس، في وقت كانت تُجرى مشاورات تتعلق بمقترحات لوقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين. ورغم ثقل هذه العملية ومخرجاتها السياسية والأمنية، غابت تفاصيلها بالكامل عن البيان العسكري الختامي للعام، دون توضيح أسباب هذا الاستثناء أو الإشارة إلى نتائجها.
ارتفاع حالات الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي
بعيدًا عن ساحات القتال، تكشف معطيات الجيش المتعلقة بالخسائر في صفوفه عن جانب داخلي أكثر حساسية. فبحسب فحص أجراه موقع “الحرة” استنادًا إلى البيانات الرسمية، تُعد حالات الانتحار المسجلة في صفوف الجنود خلال عام 2025 الأعلى منذ عام 2010. وتشير الأرقام إلى أن 22 حالة كانت أو لا تزال قيد التحقيق بشبهة الانتحار، معظمها في صفوف جنود الخدمة الإلزامية والاحتياط. ووفق المعطيات نفسها، ارتفع إجمالي عدد القتلى في صفوف الجيش خلال عام 2025 إلى 152 جنديًا، مع توضيح أن بعض حالات الوفاة صُنّفت خارج هذا الإحصاء، مثل الوفيات الناتجة عن تدريب عسكري أو أمراض.
خاتمة: عام معقد وتساؤلات حول جدوى القوة
في المحصلة، تعكس معطيات الجيش الإسرائيلي عن عام 2025 صورة عام غير اعتيادي من حيث اتساع رقعة العمليات، وتعدد الجبهات، وكثافة النشاط العسكري والاستخباراتي داخل الإقليم وخارجه. وبينما تسعى المؤسسة العسكرية إلى تقديم هذه الحصيلة باعتبارها تعبيرًا عن تفوق عملياتي وقدرة على العمل المتوازي في ساحات متباعدة، تكشف التفاصيل الدقيقة، وما رافق العام من كلفة بشرية داخل الجيش نفسه، عن واقع أكثر تعقيدًا، يجمع بين منطق المبادرة العسكرية من جهة، وضغوط الاستنزاف والتداعيات السياسية والإنسانية من جهة أخرى، في منطقة لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد، وتعيد طرح السؤال حول حدود القوة وجدواها وثمنها في المدى الأبعد.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







