الصحراء المغربية: تحول استراتيجي عبر بوابة التنمية
شكل عام 2025 نقطة تحول محورية في ملف الصحراء المغربية، حيث تجاوز المغرب المقاربات السياسية التقليدية ليتبنى استراتيجية قائمة على الإنجاز الاقتصادي وترسيخ «الحق في التنمية» كركيزة أساسية لحسم معركة السيادة، قانونياً وحقوقياً. فبفضل رؤية المملكة الاستراتيجية، تحولت الأقاليم الجنوبية من منطقة نزاع مفتعل إلى منصة عالمية للطاقة الخضراء ومركز حيوي للتجارة الدولية عبر المحيط الأطلسي، مما أعاد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء وفرض واقعاً جديداً يجعل من مقترح الحكم الذاتي الخيار الوحيد القابل للتطبيق، مدعوماً بشرعية الإنجاز ومشروعية التنمية التي تلامس حياة الساكنة بشكل مباشر.
تتجاوز المقاربة المغربية الجديدة حدود التدبير الإداري لتلامس جوهر فلسفة حقوق الإنسان في جيلها الثالث، حيث أصبح التمكين الاقتصادي والاجتماعي هو المعيار الحقيقي لتقرير المصير، بعيداً عن الشعارات الإيديولوجية. ومن هذا المنطلق، لم تعد السيادة تمارس فقط عبر النصوص القانونية والاعترافات الدبلوماسية، بل تمارس عبر مشاريع عملاقة في الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة والبنيات المينائية الضخمة، التي حولت الصحراء المغربية إلى قطب جذب للاستثمارات الدولية، مما يسحب البساط نهائياً من تحت أقدام دعاة الانفصال والتقسيم، ويجعل من الرهان على الآليات الأممية لمراقبة حقوق الإنسان متجاوزاً بحكم نضج المؤسسات الوطنية وفعاليتها.
استثمارات ضخمة تنهي زمن النزاع المفتعل
في هذا الصدد، سلط الخبير الحقوقي ورئيس منظمة «أفريكا ووتش»، عبد الوهاب الكاين، الضوء على هذه الدينامية غير المسبوقة، مؤكداً أن الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية شهدت تغيرات جذرية شملت تعزيز منظومة الحقوق والحريات بمفهومها الشامل، المدني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهو ما جعل المغرب محط إعجاب دولي لاقتران التزاماته الأممية بمنجزات ملموسة على أرض الواقع، لا سيما في مجال تطوير جاذبية المنطقة وجعلها قبلة لاستثمارات ضخمة في قطاعات المستقبل.
وكشف الكاين بلغة الأرقام عن حجم الثقة الدولية في مستقبل الصحراء المغربية، مشيراً إلى رصد ميزانيات ضخمة تناهز 2.1 مليار دولار في مجال الطاقة الشمسية، نظراً لما تزخر به المنطقة من إمكانيات استثنائية. بالإضافة إلى التوجه الاستراتيجي لخلق قطب عالمي للهيدروجين الأخضر، يضم ستة مشاريع واسعة النطاق موزعة على الجهات الثلاث للأقاليم الجنوبية، باستثمار إجمالي يناهز 32.8 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الرهان الاقتصادي والسياسي على هذه المنطقة.
وأوضح المتحدث ذاته أن هذه الرؤية التنموية تتعزز بمشاريع مهيكلة في البنية التحتية، وعلى رأسها بناء ميناء الداخلة الأطلسي، الذي صمم ليكون بوابة استراتيجية تربط دول الساحل الأفريقي بطرق التجارة العالمية عبر المحيط الأطلسي. واعتبر أن هذه الأوراش الكبرى تندرج ضمن التغيرات الجذرية في التوجهات الاقتصادية للمملكة، والتي نجحت في استقطاب استثمارات دولية وازنة، مستفيدة من الدعم الدبلوماسي التاريخي لموقف المغرب من قبل قوى عظمى كفرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا، مما بوأ المغرب مكانة الفاعل الرئيسي في مستقبل الطاقة الخضراء في القارة الأفريقية.
التنمية تعيد تعريف مبدأ تقرير المصير
وأشار رئيس منظمة «أفريكا ووتش» إلى أن المغرب يستفيد بشكل واضح من تعزيز «الحق في التنمية» كمقاربة فعالة لطي صفحة النزاع المفتعل، واعتباره مساراً استراتيجياً ضمن إطار متطور للقانون الدولي لحقوق الإنسان، يهدف بالأساس إلى إعادة صياغة التفسيرات التقليدية لمبدأ تقرير المصير. مراهناً في ذلك على أن الحكم الذاتي، حين يقترن بتنمية اقتصادية جوهرية، يشكل التعبير الأسمى والمشروع عن تقرير المصير بموجب القانون الدولي، وهو الهدف الذي عملت المملكة على تحقيقه عبر إنجاز استثمارات تنموية ومشاريع بنية تحتية كبيرة، بالتوازي مع طرح مبادرة الحكم الذاتي منذ عام 2007.
وأضاف نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن ترجمة الحقوق إلى واقع معاش تتجسد في جهود تنزيل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي انطلق منذ عام 2015، بتقدير مالي فاق ثمانية مليارات دولار، ومكن من تنفيذ أكثر من 700 مبادرة شملت قطاعات متعددة، بدءاً من البنية التحتية وصولاً إلى مشاريع الطاقات المتجددة وجذب الاستثمار الأجنبي، مؤكداً أن هذا المسار يوثق بكيفية واقعية تنزيل وإعمال الحق في التنمية كشكل راقٍ من أشكال تقرير المصير.
وشدد الكاين على أن هذه الدينامية تدعم الفكرة المستندة إلى أن التمكين الاقتصادي هو الذي يتيح مشاركة سياسية ذات مغزى، ويجعل من الحكم الذاتي بصلاحيات واضحة مستوفياً لجميع متطلبات تقرير المصير، مخرجاً بذلك هذا المفهوم من حصريته المرتبطة بتعبيرات الانفصال ومشاريع التقسيم التي أثبتت فشلها. معرباً عن اعتقاده الراسخ، بحكم تقييم خمسة عقود من النزاع، بأن استحالة تنفيذ الاستفتاء وتعقيدات مسار التسوية القديم، تفرض تبني مبدأ الواقعية العملية، واعتماد المقاربات البديلة كضرورة حتمية، مع التوصل إلى قناعة بأن التنمية هي القادرة على خلق الاستقرار الضروري لأي عملية سياسية.
وتابع المتحدث تحليله للوضع القانوني، مبيناً أن انكباب السلطات المغربية على إعمال التزاماتها في علاقة بالحق في التنمية يتماشى تماماً مع قواعد القانون الدولي، ويندرج في إطار خطة الحكم الذاتي المغربية التي تتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وممارسات الدول في مناطق أخرى. مضيفاً أن الحكامة التنموية التي يمارسها المغرب على كامل ترابه الوطني، وبشكل خاص في الأقاليم الجنوبية، تمنحه سلطة قانونية بموجب «مبدأ الفعالية» في القانون الدولي، حيث أثبتت الاستثمارات التنموية أنها تفي بالتزامات حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للساكنة.
المؤسسات الوطنية تسقط الحاجة للرقابة الأممية
وفي رده على سؤال لجريدة «العمق» حول ما إذا كان نضج المؤسسات الحقوقية الوطنية قد سحب الذريعة نهائياً من المطالب الدولية بإيجاد آلية أممية لمراقبة حقوق الإنسان، أكد الكاين أن المدافعين عن حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية يرون أن المطالبات بإدراج مراقبة أممية لم تكن تستند يوماً إلى حقائق ووقائع موثوقة. مشدداً على أن وضع الحقوق والحريات في الصحراء يتسق تماماً مع الوضع العام بالمغرب، الذي خضع لعمليات تحسين وتعزيز واسعة النطاق بمناسبة انخراط البلد في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة مع الماضي، وهي التجربة التي نالت إعجاب غالبية دول العالم.
وأوضح الكاين، في السياق ذاته، أن المغرب انخرط بجدية في الوفاء بالتزاماته الدولية عبر التصديق على الاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان وملاءمتها مع التشريعات الوطنية، مؤكداً إيمانه الراسخ بالدور الاستراتيجي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان كآلية للرصد في الصحراء المغربية، وقدرته على تحويل ملف حقوق الإنسان من عبء إلى رصيد استراتيجي، مستنداً في ذلك إلى خبرة مكوناته الطويلة وحصوله على اعتماد التصنيف «أ» من قبل التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
واستطرد الخبير مبرزاً الاعتراف الدولي والأممي المتنامي بعمل اللجان الجهوية للمجلس بالصحراء، واتصاف عملها الرصدي والتوثيقي بالمهنية والمصداقية، وهو ما يجعل الدعوات المطالبة بآليات دولية مجرد محاولة لإدخال ملف النزاع في نفق مسدود، وتبديد للجهود الدولية الصادقة للتوصل إلى حل نهائي، وتسفيه للإرادة السياسية للمملكة التي قدمت مقترح الحكم الذاتي كمبادرة جدية لإنهاء معاناة الصحراويين بالمخيمات، استجابة لتطلعات أبناء المنطقة ونداءات مجلس الأمن المتكررة.
وأكد المصدر ذاته أن الموقف المغربي يتعزز بما تحوزه المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان من استقلالية وفعالية، وتموقعها لحماية حقوق الإنسان بشكل استراتيجي كجزء لا يتجزأ من المطالب السيادية للمغرب واستثماراته التنموية. مشيراً إلى أن المملكة تمكنت من إعادة تأطير رصد حقوق الإنسان ونقله من موقف دفاعي إلى ميزة استراتيجية، عبر إثبات الالتزام بشكل استباقي واستخدام الرصد الموثوق لاستبعاد أي تدخل غير متوازن.
وخلص الكاين إلى أن المغرب نجح في تحويل المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى دليل دامغ على الحكامة الجيدة، مؤسساً لرؤية واسعة للتداول في قضايا الحقوق بالأقاليم الجنوبية في سياق الإعداد لتنزيل مشروع الحكم الذاتي، وذلك برصد موثوق وتقييم متوازن يساعد على تحسين حالة الحقوق والحريات. معتبراً أن مسألة التنمية تكتسب شرعية واضحة لاقترانها بآلية رصد وطنية شفافة وآليات تظلم فعالة، مما ينفي الحاجة لاستدعاء آليات دولية لانتفاء الأسباب الموجبة لها، ومشدداً في ختام حديثه على أن حماية حقوق الإنسان ليست تنازلاً بل ضرورة استراتيجية وحصن يحمي الشرعية الوطنية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







