صورة تعبيرية لطفل يواجه مصيراً مجهولاً، تعكس قضايا الطفولة المعقدة
ثقافة وفنون

ضائع في كفن الحياة: صراع الأمومة ويقظة الضمير في عمق المجتمع المغربي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تواصل رواية “ضائع في كفن الحياة”، التي تنشر حلقاتها تباعًا على صفحات “العمق”، رحلتها العميقة في كشف جراح المجتمع المغربي، مستلهمة واقعًا قاسيًا عبر سيرة الطفل القروي “أمناي”. هذا الطفل الذي أُعلن عن موته خطأً بعد لدغة أفعى، ليُهرّب لاحقًا من الباب الخلفي لمستوصف عمومي، ويتحول إلى “بضاعة بشرية” تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة. لا تكتفي الرواية بسرد مأساة فردية، بل تتعمق في هشاشة منظومة حماية الطفولة، حيث تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، مرافقة البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. الحلقات ليست مجرد تتبع لقصة مثيرة، بل دعوة للتفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

زينب في فرنسا: صراع الأمومة والضمير

في بيت زينب بفرنسا، لم تكن الحيرة مجرد اختيار بين طفلين متساويين في الحضور، بل كانت صراعًا بين جسد صغير ينام إلى جوارها باسم “ياسمين”، وروح بعيدة تحمل اسم “يونس” لا تدري إن كانت تقاوم بردًا جديدًا أم تنام. كانت تحتضن ياسمين، تستنشق عبير الطفولة، وتهمس لها بأغانٍ خفيفة، لكن كل لحن كان يحمل سؤالًا لا يهدأ: “أين أخوكِ الآن؟”. في الليالي الأولى بعد الولادة، تقاسمت الأصوات البيت بين بكاء ياسمين وأنين مكتوم في صدر زينب. حاول محمد أن يكون أبًا حاضرًا، لكن في قرارة نفسه كان يبتعد شيئًا فشيئًا عن اسم يونس. على النقيض، كلما احتضنت زينب ابنتها، تذكرت يونس ووعدها لنفسها بتعويضه، لتشعر الآن أن جزءًا من ذلك الوعد قد انكسر على صخرة البعد والقرارات المتسرعة. كانت تحاول الموازنة بين ما لا يوازن، حاملة ياسمين لساعات، ثم تفتح هاتفها لتنظر إلى أرقام يونس وفاطمة ورضا، أرقام تحمل في طياتها حكايات لم تكتمل.

في إحدى تلك الليالي، نظرت زينب إلى محمد وقالت: “أشعر أن قلبي خائن. لياسمين إن لم أعطِها كل حنانها، وليونس إن ظنّ أن قدومها كان ثمنًا لتخلّينا عنه”. حاول محمد تهدئتها، لكنه أدرك أن الأمومة حين تقطعها المسافات والملفات الإدارية تفقد بساطتها.

يقظة ضمير متأخرة: ندم رضا

في المغرب، بعيدًا عن هذا البيت الصغير، كان رضا يعيش يقظة ضمير متأخرة. حين علم، عبر همسات متفرقة من الحارس ورجل مر بالمزرعة، بتفاصيل ما عاشه يونس هناك – غرفة الكلب، الجوع، البرد، ثم الهروب – انكسر شيء ما في داخله. لم يتوقع أن يتعامل الحاج بهذه القسوة؛ كان قد أقنع نفسه أنه “يسلّمه لرجلٍ يعرف كيف يتصرف”، لا لرجلٍ يحبس طفلاً في قفصٍ ويتركه يتعفن بين الجوع والخوف. في ليالٍ كثيرة، كان المشهد يتكرر أمامه: هو يسلّم الصبي إلى الحاج، والباب يُغلق. تساءل: “ماذا لو لم يهرب؟ ماذا لو مات هناك وأنا أظنّ أنه في حضانة رجلٍ قادر؟”. لاحظت سعاد تغيّره؛ صار أكثر صمتًا، وأقلّ حدة، يجلس طويلاً عند النافذة. ذات مرة، وجدته يفتش في درج قديم، أخرج منه صورة باهتة ليونس وهو أصغر، نظر إليها طويلاً ثم أعادها كمن يدفن شاهدًا على جريمة لم تُكتب. حين سألته سعاد عن حاله، أجاب بحشرجة: “فعلتُ شيئًا لن يغفره قلبي بسهولة”. لم تسأله التفاصيل، لكنها أدركت أن المسألة تدور حول الصبي، ولم تتوقع حجم ما حدث في المزرعة. صار البيت نفسه يبدو لها مبنيًا على أرضية رخوة من التواطؤ والصمت.

الحاج: برود الحسابات وهاجس الخوف

أما الحاج، في مزرعته المحاطة بالسور، فقد تلقّى خبر هروب يونس كمن يتخلّص من حمل ثقيل ومصدر قلق في الوقت ذاته. حين جاءه الحارس صباحًا يلهث، لم يُبدِ الحاج صدمة كبيرة، وسأل بهدوء عملي: “منذ متى؟”. ثم قال جملة مختصرة: “دعه يذهب”. تردد الحارس، متوقعًا طلب اللحاق به أو التبليغ، لكن الحاج هز كتفيه: “طفلٌ هارب من مزرعة… سيقولون تاه، سيقولون هرب من بيتٍ للعمل، سيقولون ما يريدون. كثيرون يُحبسون في بيوتٍ أسوأ ولا أحد يسأل عنهم”. وأضاف بصوت أخفض: “أحيانًا، المشكلة حين تخرج من الباب وحدها، يكون ذلك أرحم من أن يُضطرّ المرء إلى رميها بيده”. لكن حتى هذه القسوة الحسابية لم تُخمِد تمامًا ظلّ الخوف في داخله؛ كان يدرك أن الزمن تغيّر، وأن القصص حين تخرج إلى العلن قد تجلب معها متاعب قانونية وإعلامية لم يكن يعرفها في شبابه. صار أكثر حذرًا، وأقلّ رغبة في الدخول في “صفقاتٍ بشرية” كما فعل قديمًا. ومع كل هذا، لم يفكّر لحظة في البحث عن يونس أو إصلاح ما فعله؛ أقصى ما فعله هو أن تمنى في سره أن يبتعد الصبي بعيدًا عن دائرته.

نقطة تحول: البحث عن العدالة

في فرنسا، كلما هدهدت زينب ياسمين لتنام، كان ضميرها يُعيد عليها تفاصيل مكالمتها الأخيرة مع فاطمة ورضا: غرفة الكلب، المزرعة، الحاج. شعرت أن حكاية ابنها الأول، التي بدأت بلدغة أفعى وكذبة وفاة، ونُسجت بعدها بخيوط بيع وتبنٍّ وهجرة، وصلت الآن إلى نقطةٍ من الظلم لا يمكن السكوت بعدها والاكتفاء بالدعاء. في لحظةٍ ما، وهي تنظر إلى وجه ياسمين الصغير، تمتمت لنفسها: “لن أسمح أن تكبر ابنتي على حكايةٍ بهذا العار، أن تقول: ‘أمي تركت أخي في مزرعة'”. لم تكن تعرف بعد كيف ستتحرّك، لكنها أحسّت لأول مرة منذ زمن أن الأمومة، إن كانت حقيقية، لا تُجزّأ بين جغرافيا وأخرى: هي التزامٌ بالبحث عن الضائع، كما هي التزامٌ بحمل المولود.

رضا، في مدينته، أدرك أن طريق التكفير عن الذنب، إن كان له أن يبدأ، لن يمرّ عبر أعذارٍ يكرّرها لنفسه، بل عبر مواجهة ما فعله. كان يخاف من الحاج، لكنه بدأ يفكر أن الخوف الأكبر يجب أن يكون من ذلك اليوم الذي سيجد فيه نفسه أمام نفسٍ عارية من كل تبرير، وأمام عينَي طفلٍ قد يظهر يومًا على عتبة بابه من جديد، يسأله بلا كلمات: “لماذا بعتني مرتين؟”. والحاج، رغم بروده الظاهر، كان يعود أحيانًا في الليل إلى تذكّر تلك العينين الغائرتين في غرفة الكلب، فيقول في نفسه: “لو أنه مات هناك، لكان الأمر أبسط… لا أثر، لا شهود”. ثم يرتجف من فظاعة الفكرة ذاتها، فيسكت.

خيوط القدر تتشابك

بين فرنسا والمغرب، وبين شقةٍ صغيرة في ضاحية، وبيتٍ متوسط في مدينة، ومزرعةٍ منعزلة، كانت الحكاية تشدّ خيوطها نحو نقطة التقاء محتومة. زينب التي ظنّت أن أمومتها انقسمت، بدأت تستعيد صوتها الداخلي، ورضا الذي هرب من مواجهة ماضيه، صار يراوده ذلك الماضي في كل زاوية، والحاج الذي حسب أن المشكلة خرجت من بابه، يحمل في صدره بقايا خوف من أن تعود يومًا من بابٍ آخر. تظل هذه الرواية مرآة تعكس قضايا إنسانية واجتماعية عميقة، وتدعو القارئ إلى التفكير في مصير “الضائعين في أكفان الحياة”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة