مقدمة لظاهرة “6-7”
شهد الفضاء الرقمي، خلال الأشهر الأخيرة، انتشاراً واسعاً لظاهرة “6 – 7” (سيكس سيفن)، وهي عبارة قصيرة تترافق غالباً مع إيماءة يد مميزة. تحولت هذه العبارة، التي لا تحمل معنىً ظاهراً، إلى “ميم” رقمي اجتاح منصات مثل تيك توك وإنستغرام، وتغلغل في أحاديث الأطفال والمراهقين، بل وحتى في الحملات التسويقية للعلامات التجارية التي تسعى لمواكبة لغة جيلَي ألفا وزد. يمثل هذان الجيلان، اللذان يشملان مواليد أواخر التسعينيات وما بعدها، الحاضنة الرئيسية لهذه الظاهرة التي بلغت من الانتشار حداً دفع بمحرك بحث غوغل إلى محاكاة حركة اليد المرافقة للعبارة عند البحث عنها. وبينما تتساءل الأجيال الأكبر سناً عن مغزى هذا الترند، يسعى هذا المقال إلى استكشاف أبعاده الثقافية والاجتماعية، متجاوزاً البحث عن معنى حرفي.
جذور الترند: بحثًا عن الأصل
تتداول نظريات عدة حول مصدر عبارة “6-7″، وإن كان لا يوجد تأكيد قاطع لنقطة بدايتها الفعلية. إحدى الروايات الشائعة تشير إلى أنها تعود لأغنية راب بعنوان “Doot Doot (6 7)” للمغني الأمريكي سكريلا، والتي اكتسبت شهرة عبر مقاطع فيديو تضم لاعبي كرة سلة محترفين، أبرزهم لاميلو بول، المعروف بطوله البالغ ستة أقدام وسبع بوصات. لاحقاً، ساهم لاعب دوري “أوفرتايم إيليت”، تايلن كيني، في تعزيز انتشار الميم بتكراره المستمر للعبارة. غير أن اللحظة الحاسمة التي حولتها إلى ما يشبه “الوباء الرقمي” كانت في مارس الماضي، مع انتشار مقطع فيديو قصير لطفل أمريكي يدعى مافريك تريفيليان، الذي عُرف لاحقاً بلقب “طفل 6 – 7”. ظهر الطفل في الفيديو وهو يصرخ بالعبارة خلال مباراة كرة سلة، مرفقاً ذلك بإيماءة يد أصبحت علامة ملازمة للترند.
فكاهة بلا معنى: الانتماء قبل الإضحاك
قد يبدو غياب المعنى التقليدي للترند أمراً محيراً، لكنه في الواقع يمثل جوهر الظاهرة. يمكن اعتبار ترند “6-7” تجسيداً مثالياً للفكاهة السائدة لدى جيلَي زد وألفا. فانتشار هذه الميم كحركة يؤديها الأطفال والمراهقون حول العالم يكشف تحولات عميقة في شكل الكوميديا لديهم. العبارة لا تحمل نكتة بالمعنى التقليدي، ولا تستند إلى قصة أو مفارقة ذكية، ومع ذلك، يجد فيها هؤلاء متعة ويستمدون منها الضحك. ما يهم هنا ليس المعنى أو الدلالة الكامنة خلف النكتة، بل الشعور بالانتماء والمشاركة في تجربة جماعية. الميم لا تسعى إلى إضحاك المتلقي بقدر ما تختبر حضوره وتوقيته ومكانه داخل الجماعة الرقمية. في المقابل، يعكس عجز الأجيال الأكبر عن فهم هذه الميم إقصاءً رمزياً لهم عن هذا الإيقاع المشترك، ووضعهم خارج دائرة الانتماء الرقمي.
العبثية الرقمية: سياقات الفكاهة الجديدة
تُصنف فكاهة جيلَي زد وألفا في كثير من الأحيان بأنها تقوم على اللامعقول والمزاح الأخرق والالتواء المقصود، مع ميل متعمد للفوضوية والرثاثة في شكلها البصري. هذا ما يدفع البعض لوصف هذا النمط من الكوميديا بـ”العبثية”. ويعزو البعض هذا الميل المتزايد للعبث إلى السياق الأوسع الذي نشأ فيه هذان الجيلان: عالم يوحي باستمرار بأنه على شفا الانهيار، يتسم بأزمات كبرى متلاحقة وشروط اقتصادية قاسية. أمام هذا الواقع القاتم، تبدو العبثية حيلة دفاعية فعالة للتعامل مع عالم لا يقدم دائماً تفسيرات منطقية ولا يتيح القدرة على السيطرة عليه. ومع ذلك، تشير الصحافية الأمريكية كارولين جير إلى أن اختزال فكاهة جيل زد في العبثية وحدها توصيف قاصر، لأنه يغفل السياقين التكنولوجي والاجتماعي اللذين أسهما في تشكيلها. فهذه الفكاهة تتكون داخل بيئات خوارزمية، خاصة عبر منصات مثل تيك توك، حيث تتراكم النكات وتتطور عبر طبقات متزايدة من الإحالات الصوتية والبصرية والثقافية، مما يجعلها تجربة جماعية ومُجزّأة ومغلقة في آن واحد.
“تعفّن الدماغ”: إطار ثقافي للفكاهة المعاصرة
لا يمكن فهم هذا النوع من الفكاهة، الذي يشمل أيضاً ما يُعرف بـ”الشِت بوستينغ” (Shitposting) الذي يتعمد الرداءة واللامعنى، إلا بوضعه ضمن الحالة الثقافية الأوسع التي باتت تُسمى “تعفّن الدماغ” (Brain rot). هذا المصطلح، الذي وُلد كلقب ساخر لمحتوى “يفرغ الدماغ”، تحول إلى توصيف شائع لحالة ذهنية وثقافية مرتبطة بالاستهلاك المكثف والمتواصل للمحتوى الرقمي، خاصة لدى جيلَي زد وألفا، الأجيال التي لم تعرف العالم قبل الإنترنت. وقد اختاره قاموس أوكسفورد كلمة العام لعام 2024. في هذا السياق، لا يعود للتماسك أو الوضوح قيمة كبيرة، بينما تصبح العشوائية والغرابة وعدم القابلية للفهم عناصر جاذبة بحد ذاتها. تلعب الخوارزميات، خاصة على منصات مثل تيك توك، دوراً حاسماً في هذا التحول، فهي لا تكتفي بتسريع انتشار المحتوى، بل تسرع أيضاً نضوجه وموته. ومع تقلص مدى الانتباه والتحفز الفائق، يصبح البحث عن معنى أو دلالة واضحة عبئاً يُفضل التخفف منه للانسجام مع سرعة التدفق المستمر.
جمالية “السيئ الجيد”: وعي يقلب الموازين
يقوم جزء أساسي من فكاهة جيلَي زد وألفا اليوم على اعتراف مسبق بالحرج: “أنا أعرف أن هذا ‘كرينج’ (مُحرج)، ومع ذلك أشارك فيه”. بل إن هذا الوعي نفسه يتحول إلى مصدر للمتعة؛ فالمحتوى لا يُستهلك رغم كونه محرجاً، بل بسبب كونه كذلك. وكأن الاعتراف بسوء النكتة أو رداءة الفيديو أو تفاهة الترند يمنح صاحبه حصانة استباقية من النقد. من هنا، يشيع بين “أبناء العصر الرقمي” استخدام عبارة “سيئ إلى درجة يبدو فيها أنه جيد” لوصف محتوى بعينه. هذه العبارة باتت توصيفاً واعياً لطريقة جديدة في التفاعل مع المحتوى الرقمي. فعندما تُستخدم في التعليق على ترند مثل “6 – 7″، فهي لا تنكر تفاهته ولا تسعى إلى تبريرها، بل تعترف بها سلفاً، ثم تحول هذا الاعتراف نفسه إلى سبب للمشاركة. هنا يصبح السوء جزءاً من اللعبة، لا خللاً فيها. يتقاطع هذا المنطق مع سمة “الفكاهة الواعية بذاتها” أو الميتا-فكاهة، التي تعد سمة أساسية أخرى لفكاهة هذين الجيلين، حيث يصبح من الصعب، بل من المستحيل أحياناً، التمييز بين السخرية والمشاركة الجدية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق