ملف السجناء السوريين في لبنان: مفاتيح عالقة بين القانون والسياسة
بعد مرور أكثر من عام على التحولات الجذرية في سوريا وسقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، يظل ملف أكثر من ألفي سجين سوري في السجون اللبنانية نقطة توتر رئيسية، تتأرجح بين الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية. هؤلاء السجناء، الذين يواجهون ظروفاً قاسية خلف القضبان، ينتظرون بفارغ الصبر حسم مصيرهم في ظل مسار تفاوضي معقد لم يفضي بعد إلى حلول ملموسة.
مساعٍ رسمية… وعقبات متواصلة
في خطوة تعكس الإرادة السياسية اللبنانية لحل هذا الملف الشائك، أعلنت الحكومة اللبنانية عن توجيه رئيس الجمهورية، جوزاف عون، بالعمل على صيغة قانونية تتيح إبرام اتفاق مع سوريا. وقد أكد نائب رئيس الحكومة، طارق متري، في التاسع عشر من ديسمبر، أن الهدف من ذلك هو تعزيز الثقة وتوسيع آفاق التعاون بين البلدين، مع إيجاد سند قانوني لهذه الإرادة السياسية.
غير أن هذه التوجيهات جاءت عقب فشل زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى دمشق في الحادي عشر من ديسمبر، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق ينظم آلية تسليم السجناء. يعزو الكاتب والمحلل السياسي يوسف دياب هذا الفشل إلى تباين جوهري في مقاربة الطرفين، مشيراً إلى أن الجانب السوري أبدى غضباً من مشروع الاتفاقية اللبنانية التي اعتبرها ‘مجحفة وتحتوي على شروط قاسية’. وتتمحور الخلافات حول رفض لبنان تسليم المتورطين في جرائم خطيرة، وإصرار دمشق على استلام جميع الموقوفين والمحكومين، إضافة إلى شرط عدم منح المُسلَّمين أي عفو، وهو ما تعتبره دمشق انتقاصاً من سيادتها. وقد انتهى الاجتماع دون تحديد موعد جديد، وسط حديث عن احتمال تدخل أطراف إقليمية، ودور سعودي محتمل في المرحلة المقبلة.
سبق للبنان أن سلّم سوريا مسودة أولى في أكتوبر الماضي، خلال زيارة وزير العدل السوري مظهر الويس إلى بيروت، لكنها لم تلقَ قبولاً سورياً بسبب تعقيدات تنفيذها وضرورة إقرارها برلمانياً. ورغم ذلك، أكد الوزيران حينها إحراز تقدم في النقاشات وتقارب وجهات النظر، مع انتظار بيروت حالياً لاقتراحات دمشق لتعديل مشروع الاتفاقية الثانية، على أن تُقرّ حصراً في مجلس الوزراء.
بين جنائيين ومعتقلي رأي: مفارقات الوضع الراهن
في مفارقة لافتة، وبينما تشهد العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق تطبيعاً ملحوظاً، ويصافح رئيس الجمهورية اللبنانية نظيره السوري أحمد الشرع، لا يزال العديد من السجناء السوريين، الذين أوقفوا على خلفيات سياسية تتعلق بالانتماء إلى ‘جبهة النصرة’ (التي كان الشرع يقودها سابقاً) أو المشاركة في الحرب السورية، يقبعون خلف القضبان. هذا المشهد يعكس تحولاً جذرياً في مواقف السجناء أنفسهم؛ فبعد أن كانوا يخشون التسليم إلى دمشق قبل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، باتوا اليوم يحلمون به، لا كسجناء، بل كعائدين إلى وطن شاركوا في تغيير مصيره.
تشير الناشطة الحقوقية والمحامية ديالا شحادة إلى أن غالبية الموقوفين أو المحكومين في سياق سياسي هم ممن قاتلوا النظام السابق أو اشتبه بأفعال أمنية، لافتة إلى أن عدداً من هذه القضايا شابتها خروقات جسيمة في التحقيق والمحاكمة، بما في ذلك انتزاع إفادات تحت التعذيب، ما يجعل كثيرين منهم مظلومين إجرائياً أو أبرياء. وتستبعد شحادة طلب سوريا استرداد أشخاص محكومين بجرائم اغتصاب أو قتل ارتكبت على الأراضي اللبنانية، مؤكدة أن هذه الجرائم لا يمكن التفاوض بشأنها، وقد أكد وزير العدل عادل نصّار أن الاتفاقية المتناقشة لا تشمل المتورطين في هذه الجرائم الخطيرة.
فوارق قانونية تعقّد الحل
لطالما دقت منظمات حقوقية ناقوس الخطر حيال الأوضاع الإنسانية للسجناء السوريين في السجون اللبنانية، خاصة في سجن رومية، مشيرة إلى سوء المعاملة، وطول فترات التوقيف الاحتياطي، وبطء المحاكمات، فضلاً عن الإهمال الصحي الذي أدى إلى تفشي الأمراض ووفاة بعض السجناء.
توضح المحامية شحادة الفوارق القانونية بين المحكومين والموقوفين قيد المحاكمة. فالقانون اللبناني لا يجيز تسليم محكوم صدر بحقه حكم نهائي إلا ضمن اتفاق يضمن تنفيذ العقوبة المتبقية، مع عائق إضافي يتمثل في الحقوق الشخصية غير المسددة. وتشير إلى أن دمشق لن تبدي غالباً استعداداً لاستلام محكومين لتنفيذ أحكام لبنانية، ولا سيما تلك ذات الطابع السياسي التي تعتبرها غير عادلة. أما الموقوفون، فيمكن تسليمهم بشروط محددة في الاتفاقيات القضائية، أبرزها أن يكون الجرم قد ارتُكب كلياً أو جزئياً على الأراضي السورية، وهو شرط لا ينطبق على عدد كبير منهم.
من جانبه، يرى مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، أن الطرح السوري يقوم على استعادة جميع المواطنين السوريين المحتجزين، بينما يتمسك الجانب اللبناني بالسيادة القضائية والهواجس الأمنية، مما يجعل البعدين السياسي والأمني يطغيان على الملف على حساب الجانب الحقوقي وضمانات المحاكمة العادلة.
العائق الأساسي: القانون والإرادة السياسية
تؤكد شحادة أن العائق الأساسي أمام حل هذا الملف ‘قانوني بحت’، ويتمثل في القوانين اللبنانية المنظمة لتسليم المطلوبين، ولا سيما قانون الاسترداد، رغم وجود اتفاقية تعاون قضائي بين البلدين موقّعة منذ خمسينيات القرن الماضي. وتوضح أن تجاوز هذه العوائق ممكن ‘عبر التشريع، سواء بتعديل القوانين النافذة، أو إصدار قانون خاص يطبق لمرة واحدة، أو تعديل الاتفاقيات القضائية والأمنية، شرط توافر الإرادة السياسية’. ويوافقه دياب الرأي، مشيراً إلى أن القانون الحالي لا يسمح بتسليم أي موقوف إلى دولة أخرى دون إقرار قانون خاص، وهو أمر صعب في ظل الانقسام السياسي الراهن.
أبعد من النصوص: تأثير العوامل السياسية والأمنية
يرى مؤيدو تسليم السجناء أن القانون يُستخدم كذريعة لتأجيل الحسم، مستندين إلى سوابق تجاوزت الاعتبارات القانونية، أبرزها صفقة عام 2017 بين حزب الله و’جبهة النصرة’، التي أفضت إلى خروج مقاتلين ومتورطين بقتل جنود لبنانيين في تسوية ذات طابع سياسي-أمني.
ويعزو عبد الرحمن تعثر التوصل إلى آلية واضحة لتسليم السجناء السوريين إلى تداخل العوامل السياسية والأمنية مع القانونية، معتبراً أن الملف يُدار بحسابات داخلية لبنانية واعتبارات أمنية تتعلق بتوصيف عدد من المعتقلين كخطرين أمنياً، أكثر مما يُنظر إليه كقضية حقوقية وإنسانية. ويتحدث عن دور للنفوذ الأمني والسياسي لحزب الله في تعقيد الملف، ولا سيما أن بعض القضايا تمت في سياقات أمنية وأُحيلت إلى القضاء العسكري، ما جعلها رهينة توازنات سياسية.
في المقابل، يرى المدير التنفيذي لـ’مركز جسور للدراسات’ وائل علوان أن العوائق ناتجة عن تداخل قانوني-سياسي مع غلبة للبعد القانوني، في ظل انتقال متزامن في لبنان وسوريا إلى مراحل إعادة بناء مؤسسات الدولة، ما يفسّر بطء المعالجة دون اعتباره متعمّداً أو ناتجاً عن خلفيات سياسية، ورغم ذلك يشير علوان إلى تأثير غير مباشر لحزب الله على الملف. وتشدد شحادة على أن الملف يُدار اليوم في إطار سياسي مرتبط بتغير الواقع السوري ورغبة لبنان في إعادة ترتيب العلاقات مع دمشق، مؤكدة ضرورة أن يكون القانون في خدمة العدالة. ويضيف دياب أن الانقسام اللبناني الحاد حول الملف، بين المطالبين بتسليم نحو 2300 موقوف ومحكوم لتخفيف الضغط عن السجون والرافضين دفاعاً عن سيادة القضاء، يزيد من تعقيده، بالإضافة إلى دور حزب الله الذي يرى أن غالبية الموقوفين أوقفوا لأسباب سياسية مرتبطة بمناهضتهم له أو بانتمائهم للجيش السوري الحر.
أزمة قادمة؟
رغم طول أمد البحث في هذا الملف دون نتائج حاسمة، شدّد نائب رئيس الحكومة طارق متري على أن الدولة اللبنانية لا تعتمد سياسة المماطلة. وقال، في منشور على منصة ‘إكس’، إن ‘لبنان ملتزم حلّ المشكلة بالتفاهم مع سوريا، ونسعى جدياً لإيجاد حل’. يبقى مصير هؤلاء السجناء معلقاً بين تعقيدات القانون، وتجاذبات السياسة، وآمال العائلات في عودة ذويهم إلى وطنهم.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







